جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٧١ولعمري إن الذي يتجاذبه جمال المبنى وسمو المعنى في آيات القرآن لا يملك إلا أن يسلم تسليما ويقول"رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" ( آل عمران/53) وقبل الحديث عن بلاغة القرآن بجمل الحديث عن بلاغة القرآن بجعل الحديث عن أصل البلاغة والذي أراه أن البلاغة لا تكون إلا بعمق التصور وفنية التصوير، فإن المعاني لا تحيا في العبارات حتى تحيا في الأنفس ولذلك استحسن قول الأخطل:-
وهذا يعني أن تترتب المعاني في الذهن بتصور عميق فإذا فاضت بعد على اللسان أو القلم خرجت مترتبة بحسب ترتبها في الذهن فتتمثل أمام السامعين أو القارئين وكأنما هي مشاهد حية وصور ماثلة، وبهذا أمكن للبليغ أن يحول المعاني الذهنية والانفعالات النفسية والمشاهد الغائبة إلى حقائق مرئية وأمور محسوسة، وإذا كانت هاتان الصفتان هما منشأ بلاغة البلغاء فإن القرآن الكريم- وهو كلام الخالق سبحانه الذي لا تخفى عنه خافية والذي يهب النفوس القدرة على التصور ويمنح الألسنة موهبة التصوير- لأجدر بأن يكون أعلى طبقة من كل بلاغات البلغاء وأوفى دلالة وأغرز معنى وأعمق أثرا وأسمى مقصدا وأرصن لفظا لأنه صادر عن العليم بكل شيء والقدير على كل شيء ومن هنا كان القرآن الكريم يقدر في خطابه للإنسان الجانب العقلي والجانب العاطفي منه…وهذا مما يميزه عن سائر الكلام، ذلك لأن إمتاع العاطفة بالحديث العاطفي وإقناع العقل بالكلام العقلي وبقدر ما يكون المتكلم واقعا تحت تأثير أحد هذين الأمرين يكون متحررا من تأثير الأمر الآخر، فحكمة الحكماء نابعة عن العقل ولا أثر فيها لسلطان العاطفة وشعر الشعراء من وحي العاطفة ولا أثر فيه للعقل ولذلك كان في كلام الحكماء إقناع العقل وفي كلام الشعراء وإمتاع العاطفة فلو أمعنت النظر في قول الحكماء: