جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٢والمراد بالمثلية أن تكون مثل سورة من القرآن في تلاؤم ألفاظها وتواؤم معانيها، وتناسق حروفها، وتآخي كلماتها، وسلاسة أسلوبها، كما سبق بيان ذلك في الإعجاز البياني؛ وقيل المراد بالمثلية أن تكون كسورة من القرآن فيما تشتمل فيما تشتمل عليه من أوامر ونواه، ووعد ووعيد، وقصص وحكم، ومواعظ وأمثال، وقيل: المراد أن تكون منطوية على مثل ما في القرآن من أخبار الغيوب التي لم تكن العرب تحيط بها علما، وقيل: كونها كالقرآن في عدم فناء عجائبه وانقضاء غرائبه، وأنه لا يمحوه الماء ولا تمله الأسماع، ولا يزداد إلا تجددا ما تجدد الجديدان، والقول الأول هو الصحيح لأن العرب بهروا بأسلوب القرآن الراقي، مع غض النظر عن عجائب محتوياته، وهم كانوا يكذبون بوعده ووعيده، وقصصه وأخباره، ومواعظه وأمثاله وأوامره ونواهيه.
وعلى أي حال فالمثلية مفروضة- كما قال الزمخشري- وليست واقعة ولا معنى لما يقوله البعض من أن لفظة مثل زائدة كزيادتها في ﴿ ليس كمثله شيء ﴾(1) ، على رأي بعضهم لأن ذلك يفضي إلى أن المراد فأتوا بسورة منه، مع أن المطلوب منهم أن يعارضوا القرآن بشيء يشبهه، كما كانوا يدعون بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا، وإنما قلنا بفرض المثلية دون حصولها، ليتفق ما هنا مع ما قوله تعالى من بعد ﴿ ولن تفعلوا ﴾ ، وقوله ﴿ لا يأتون بمثله ﴾ ، وفرضها مبني على اعتقاد المخاطبين، وما كانوا يمنون به أنفسهم في دحض حجة القرآن وسوق الكلام مساق التعجيز والتحدي شاهد على عدم وجود المثل، وانتقد أو حيان الزمخشري في جعله المثلية مفروضة، مع أن مع أن ذلك لا يتأتى إن أعيد الضمير في " مثله" على المنزل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لوجود عدد كبير في العرب ممن يشبهه في الأمية، وكذلك إن أعيد الضمير على المنزل، لوجود الكلام البليغ فيما تنطق به العرب، وهو بجعل المماثلة حاصلة له من بعض الوجوه.
(1) 3 ) سورة الشورى الآية "11".