جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٧والشهداء جمع شهيد، وهو الذي يقتضيه القياس، وحمله بعضهم على أنه جمع شاهد كعالم وعلماء، وهو مأخوذ من شهد إذا حضر، كما في قوله تعالى ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾(1) ، واستعمل بمعنى النصير لأن الشاهد يناصر المشهود له بشهادته، والمراد بالشهداء هنا نصراؤهم من الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، والمراد بدعوتهم استحضارهم لأجل مناصرتهم كما هو شأنهم في اللجوء إليهم من دون الله تعالى.
وأفاد الامام ابن عاشور بأن في الآية إدماجا لأنها جمعت بين تعجيزهم عن المعارضة وتوبيخهم على الشرك، وهو من أفانين البلاغة ويحتمل أن يراد بالشهداء نصراؤهم من أهل البلاغة، وهو أبلغ في التعجيز لما في ذلك من حضهم على استنفار جميع أصحاب الملكات البيانية، ويعضده قوله تعالى: ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾ .
وروي عن ابن عباس والسدي، ومقاتل والفراء، أن المراد بهم الذين يشهدون لهم عند الله في زعمهم، وهو كالقول الأول لأن اتخاذهم الآلهة من دون الله إنما هو لأجل تقريبهم إليه كما يقتضيه قوله تعالى حاكيا عنهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾(2) ، وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بهم الذين يشهدون لهم بمماثلة ما جاءوا به للقرآن، فإنهم لو احتكموا إلى أرباب الصناعة البيانية ممن هم على مثل اعتقادهم، وجاءوا بما يزعمون أنه مثل الأنفة من ان يسجل عليهم تصحيح فاسدها أو تزييف صحيحها، وقد جرت العادة عند العرب إذا ما تنافرت أن تحتكم إلى عقلائها، وكان المحتكم إليهم يحرصون على تنزيه ساحتهم من نسبة الجور أو الغلط إليهم فيما يحكمون ولذلك قال السموأل:
إنا إذا مالت دواعي الهوى … ... وأنصت السامع للقائل
لا نجعل الباطل حقا ول … ... نلظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا … ... فنخمل الدهر مع الخامل