جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٩وإيثار " إن" على إذا- في قوله: ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ مع القطع بأنهم لا يفعلون- لأجل ملاينتهم وإطماعهم في القدرة على الاتيان بالمطلوب، بعد إثارة نعراتهم بما تقدمن من التعريض بهم أنهم كاذبون، وهم أحرص ما يكونون على إلقاء هذه الوصمة الشائنة، ودرء هذا العار البغيض عن أنفسهم وقد كانوا أصحاب الحمية المتوقدة، والعصبية الثائرة، فلا يمكن مع ما سبق من تكرار التحدي وتتابع التقريع إلا أن يفكروا في استعراض ملكاتهم، والمقارنة بين ما تحدوا به من القول وما هو من مقدور ألسنتهم، فكأنه قيل لهم قدروا أنكم عاجزون عن فعل ما طولبتم به، ثم أتبعت هذه الملاينة المطمعة بالشدة المؤيسة في قوله: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ لئلا يبقى لهم عذر أو دعوى يتشبثون بها في تركهم المعارضة فقد أغروا بها بأنواع القول.
وفي قوله: ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ اختصار لأنه بمعنى فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وكذا في قوله: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ لأن مؤداه ولن تأتوا بسورة من مثله ،و" لن" لا تأتي إلا مع قصد تأكيد النفي أو تأبيد أو لأجلهما معا، وهي هنا مفيدة للتأكيد والتأييد كما في قوله تعالى: ﴿ لن يخلقوا ذبابا ﴾(1) ، لتعذر أن يأتي أحد بمثل القرآن أو بمثل سورة منه في أي عصر كان.
(1) سورة الحج الآية "73".