جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٤ولرب قائل يقول: لا يبعد أن يكونوا قاموا بالمعارضة وأتوا بمثل القرآن في روعه بيانه وجمال أسلوبه، وإنما نفوذ المسلمين في العرب هو الذي قضى على ما جاءوا به، وقد سجل التاريخ محاولة مسيلمة وغيره للقيام بهذه المعارضة؛ فلجواب عن ذلك أن هذا التحدي لم يكن بعدها كانت أزمة الأمور في جزيرة العرب بأيدي المسلمين، وإنما بدأ بمكة المكرمة والجاهلية في اوج قوتها وعنفوان جبروتها، وكان العرب على اتصال به لطاروا بذلك فرحا ونشروا خبره في الآفاق وسجله التاريخ، وبقي محفوظا لدى الأمم التي كان تكيد للاسلام وتناوئ القرآن، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، أما ما جاء به مسيلمة ونظراؤه فقد كان من السخف بحيث يربأ اللبيب بنفسه عن نسبته إليه، وإذا كانت المعارضة قد تعذرت على قريش وهي ذؤ ابه الغرب، ومنبع البيان، وأساتذة البلاغة، فاحرى بغيرهم أن تتعذر عليه.
وإعداد الشيء تهيئته والنار مهيأة للكفار بما أعد فيها من صنوف العذاب وبنفس الإضرام الذي هو أكبر سبب لتعذيبهم، واستدل بالآية على أن النار قد خلقت وهيئت لاستقبال أهلها وكذا الجنة وهو قول جمهور الأمة، وذهب أكثر المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي وابن أبي نبهان إلى أنهما لم تخلقا إلى الآن وإنما تخلقان يوم القيامة، وعز ابن عطية هذا القول إلى المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وعده سقوطا منه، والمسألة ليست من مسائل الدين القطعية لاحتمال أن يكون قوله: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ومثله في الجنة ﴿ أعدت للمتقين ﴾ محمولا على الإخبار عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه، نحو قوله تعالى: ﴿ ونفخ في الصور ﴾(1) ، وآيات أخرى.
(1) سورة يونس الآية "51".