جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٠وقد سبق الكلام في الايمان وبيان أن ماهيته الشرعية تشمل الأعمال الصالحة التي يقتضيها توحيد الله تعالى، وهو الذي حكمى العلامة ابن تميمة- كغيره- إجماع السلف عليه، وروى أبو القاسم اللالكائي عن البخاري أنه اجتمع بنحو ألف من أئمة السلف فلم يكونوا يختلفون في ذلك، ومع هذا فإن جل المفسرين استدلوا بعطف العمل الصالح وأرى أن الأقرب إلى ما تقتضيه الأدلة القرآنية والحديثية ما أفاده الإمام ابن تيمية، وهو أن الايمان إذا أطلق فمدلوله العقيدة والعمل معا، وإذا عطف عليه العمل كما في هذه الآية فيحتمل أن يكون من باب عطف الخاص على العام، وأن يكون المراد به العقيدة وحدها، كما أن المسكين والفقير إذا أفرد أحدهما كانا صنفا واحدا، وإذا عطف أحدهما على الآخر كانا صنفين، ومثله يقال في الألفاظ التي تتحد مدلولاتها كالبر والتقوى والمعروف، وكالإثم والعدوان والمنكر وهذا لا ينافي أن يكون مقر الايمان القلب لأن صلاح الجسد متوقف على صلاح القلب كما في حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه البخاري: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله".
والأمر بتبشير المؤمنين يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لكل من يصلح للتبشير، وهذا إذا لم يقصد بالخطاب معين، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، والوجهان جائزان في كل ما كان مثله في القرآن كقوله تعالى: ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ﴾(1) ، وقوله: ﴿ واضرب لهم مثلا رجلين ﴾ وقوله: ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ﴾ وقوله: ﴿ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ﴾ .
(1) 1 ) سورة الحجر الآية "49".