جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٢وتفسير المثل الذي ذكرته هو الذي عول عليه جمهور أهل التفسير ولم أجد خلافا في ذلك عن أحد منهم إلا ما ذكره صاحب المنار عن بعضهم- ولم يسمه- وهو ان المثل في الآية ليس مثلا يقال بل هو مثل يحتذى أي القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وعليه فالمراد بقولهم " بهذا " رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم استنكروا أن يرسله الله من بينهم إليهم وإلى الناس، لعدم تميزه عنهم بكونه من جنس آخر غير جنس البشر، كما يستفاد من قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾(1) ، وقولهم: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ﴾(2) ، وقد أيد صاحب المنار هذا التفسير للمثل بوروده بهذا المعنى في القرآن، في قوله تعالى: ﴿ فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ﴾(3) ، وقوله: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ﴾(4) ، وقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ﴾(5) ، فمن هذه الآيات انتزع الشاهد بصحة تفسير المثل بالذي ذهب إليه، وحمل هذه الآية على دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق- وهم مشركو العرب- والذين أنكروا ان يكون نبيا مع كونه عربيا- وهم اليهود-.
وقد أقام الله عليهم الحجة بقوله: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ﴾ ، ولتبعه بوعيد من اعرض عن الإيمان بعد قيام البرهان- وهم الكافرون- وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات- وهم المؤمنون- وبعد أن قرر عليهم حجته- وهي تحديهم بسورة من مثله- كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشرا رسولا من عنده.
(1) 3 ) سورة "ص" الآية "8".
(2) 4 )سورة الفرقان الآية "7".
(3) 5 ) سورة الزخرف الآية "56".
(4) 6 ) سورة الزخرف الآية "57"
(5) 7 ) سورة الزخرف الآية "59"