جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١١إذ) ظرف زماني دال على وقوع نسبة في الزمن الماضي مع وقوع نسبة أخرى ماضية أيضا، وذهب ابن قتيبة وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أنها في هذا الموضع وما يشبهه زائدة، وهي مجازفة من القول يجب أن لا يُصغى إليها في تفسير كتاب الله تعالى المنزه عن كل حشوٍ، فإن الزيادة لا تكون إلا في كلام الذين يعييهم ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب المعاني، فيأتون بالدخيل من القول لقصد تنميق الكلام وتزويقه، وهذا ما لا ينطبق أبدا على كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأصدقه وأحسن الحديث وأصحه، وقد أجاد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في رد هذا الزعم وتفنيد جميع شُبهه، وقد حذا حذوه معظم المفسرين حتى أن القرطبي حكى اتفاقهم عليه، كما أن جماعة من أئمة العربية قاموا بدورهم في الرد على هذه الدعوى، منهم الزجاج والنحاس غير أن مما يثير الاستغراب أن ينبري أحد أئمة التفسير في العصر الحديث يُعد في مقدمة مفسري هذا العصر معرفة بعلوم القرآن وأساليب البيان – وهو الإمام ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير - فيؤيد هذه الفكرة الواهية واقفا مع القائلين بزيادة (( إذ)) ،وهو أمر يدعو حقا إلى الحيرة والاستغراب، فإن عَد أي كلمة مما في القرآن زائدة يعني فراغها من المعنى، وهو ينافي الإحكام الذي وصف الله به كتابه المبين، وإذا كانت زيادة الألفاظ لغير أي معنى يترفع عنها كلام بلغاء البشر فما بالكم بكلام خالق البشر الذي وهبهم ملكات البيان، والذي يبدو أن القول بزيادة (( إذ )) هنا ناشئ عن الحيرة، واضطراب الأفهام فيما ترتبط به صناعة ومعنى ، ومثل هذا القول في الغرابة والبعد عن الصواب قول من زعم أنها بمعنى (( قد )) .