جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٢والقائلون بعدم زيادتها اختلفوا في إعرابها، فمنهم من جعلها على بابها –وهو الظرفية الزمانية – وجعلها متعلقة بقالوا، جوز ذلك الزمخشري، واختاره أكثر أهل التفسير حتى أن منهم – كأبي حيان – من عده الوجه الوجيه الذي لا يُعدل عنه،ورده كل من أبي السعود وابن عاشور من حيث أنه يؤدي إلى أن يكون قول الملائكة المحكى هو المقصود الأساسي من القصة وذلك مستبعد لأن العبرة المستفادة منها كامنة في إعلام الله لهم أنه جاعل في الأرض خليفة، وما أجابوا به إنما هو مترتب على هذا الخطاب، وأضاف ابن عاشور إلى ذلك بأن هذا الإعراب لا يتأتى في كل موضع كما في قوله تعالى: ( وإذ قُلنَا للِمَلاًئِكَةِ اسجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا (الآية 34 – البقرة ) فإن فاء التعقيب مانعة من جعل الظرف متعلقا بمدخولها، وأن الأظهر أن قوله: ( قالوا ) حكاية للمراجعة والمحاورة، على طريقة أمثاله كما سيأتي بيانه(1). وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة بمحذوف تقديره ابتداء خلقكم إذ قال ربك، أو ابتدأ خلقكم إذ قال ربك،فعلى الأول هي في موضع رفع على الخبرية، وعلى الثاني فهي في موضع نصب، وثم أقوال أخرى موغلة في الضعف، وأضعفها القول بأنها متعلقة ببشر من قوله تعالى: ( وبشر الذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصالحَاتِ) .. الآية 25 – البقرة.
وضعف هذا القول باد للعيان فإن المعنى والصناعة يرفضانه، أما المعنى فلأن التبشير لم يحصل عندما قال الله ذلك للملائكة، وأما الصناعة فلأنه لا يُعقل أن يحصل في كلام البلغاء، ارتباط كلمة بأخرى بينما مسافات من الكلام الخارج عن إطارالموضوع القاضي بالارتباط، فكيف يحصل ذلك في القرآن؟ أما قول من زعم أنها متعلقة بخلقكم من قوله تعالى: ( الذي خَلَقَكُم والذِينَ من قَبلكُم ) (الآية 21 – البقرة ) فهو أوهن من أن يكترث به فيرد عليه وكفى بمجيء حرف العطف قبل إذ شاهدا على بطلان هذا القول والذي قبله فإن الظرف لا يتخلل بينه وبين متعلقه عاطف.