جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٢٤

وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول ، فإن المحاورة تقتضي الإعادة في الغالب ، فطردوا الباب ، فحذفوا العاطف في الجميع ، وهو كثير في التنزيل ، وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال ، وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر ، والأصل وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي (1) .

وما ذكره ابن عاشور واضح لمن تدبر الأسلوب القرآني في حكاية المحاورات، ألا ترى إلى العطف بالفاء في قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) – الآية 34 – البقرة – مع عدم الفارق إلا من حيث إن في قوله تعالى : ( فسجدوا ) إخبارا عن فعل، وفي قوله : ( قالوا ) حكاية قول، غير أنه لا يسلم لابن عاشور أن هذا مما لم يُسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي ، فهناك من سبقوه إلى ذكر ذلك منهم الإمام أبو حيان في البحر المحيط ، وإليكم نص كلامه :

(( والجملة المفتتحة بالقول إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى فالأصح في لسان العرب أنها لا يؤتى فيها بحرف ترتيب اكتفاء بالترتيب المعنوي ، نحو قوله تعالى : ( قالوا أتجعل فيها ) أتى بعده ( قال إني أعلم ) ونحو ( قالوا سبحانك ) (قال يا آدمُ أنبئهم ) ، ونحو ( قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله ) ( المائدة : الآية 27 ) ، ( قال أنى يُحيي هذه الله ) ( البقرة : الآية 259 ) ( قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ) ( البقرة : 259 ) ( قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير) ( البقرة : 260 ) وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعا في قصة موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه ، ومحاورة السحرة إلى آخر القصة دون ثلاثة جاء منها اثنان جوابا وواحد كالجواب ، ونحو هذا في القرآن كثير )) (1) .

٨٤٣ / ١٬٤٤٧