جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٨٥

أما كونهم أجساما نورانية فيمكن أن يُستدل له بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم أن الملائكة مخلوقون من نور ، ومثل ذلك مثل خلق إبليس والجان من نار المنصوص عليه في قوله تعالى حاكيا عن إبليس : ( خلقتني من نار وخلقته من طين) ( ص : 76 ) ، وقوله : ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) ( الحجر : 27 ) ، وقوله : ( وخلق الجان من مارج من نار ) ( الرحمن : 15 ) ، والنور والنار مشتركان في عالمنا الأرضي المحسوس في كونهما لا يقوم أحدهما بنفسه ، وإنما يتوقف وجودهما على وجود جرم آخر كثيف يتلبسان به ، غير أن الله عز وجل الذي جعلهما في هذا العالم بهذه الصفة قادر على جعلهما في ما وراء العالم المحسوس بصفة أخرى ، وعلينا أن نؤمن بما أخبر به أو أخبر به رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام .

ولا يلزم من تفسير جمهور الأمة للملائكة أن نعرف أين مساكن ملائكة الأرض وتحديد أمكنتها ، وبيان موقع من يكون منهم عن اليمين ، ومن يكون عن اليسار ، ورؤية أجسامهم النورانية تضيء في الظلام كما قال الإمام محمد عبده ، فإننا مع تسليمنا بما جاء به الوحي نعترف بالعجز عما طوى الله علمه عنا ، ونعلم أن طبيعة اتصال الملائكة بنا تختلف عن طبيعة اتصال بعضنا ببعض ، وإذا كان الله عز وجل ميز طبائع بعض الموجودات في عالمنا عن بعض أفلا يكون ما أوجده وراء هذا العالم أجدر بأن تتميز طبيعته ، وأن تختلف أحواله ، فنحن هنا على ظهر الكرة الأرضية نسبح في خضم من الهواء يحيط بنا من أعلانا ، وأمامنا ، وخلفنا ، وعن أيماننا ، وعن شمائلنا ، غير أننا لا نشعر بملامسته لأجسادنا مع كونه جسما لطيفا ، وإنما نحس به في سرعة جرينا ، وفي حالة اضطرابه ، هذا مع العلم بأن الهواء أهم عنصر مادي في قوام أجسادنا ، ولا يمكننا الاستغناء عنه لحظة واحدة .

٩٠٤ / ١٬٤٤٧