جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٨٤ومثل ذلك ثبت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة معنى ، فقد أخرج الإمام الربيع والشيخان عن مسروق أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى : ( ولقد رآه بالأفق المبين ) ، وقوله : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ، فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء ساداً عظيم خلقه ما بين السماء والأرض )) ، وثبت عند الشيخين أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضور بين يديه في صورة رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة وأخذ يسأله عن أركان الإيمان ، وروى الربيع والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟ قال : (( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيُفصم عني وقد وعيت ما قال : وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول )) .
ففي هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة وأمثالها ما يكفي العاقل حجة على استقلال ذوات الملائكة وعدم كونهم قوى متلبسة بسائر الذوات ، وهي صريحة في تشكلهم متى أرادوا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل قوله : (( لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين .. إلى آخره )) على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى جبريل عليه السلام في سائر المرار في صورة أخرى يتمثل بها لتقوى نفس النبي صلى الله عليه وسلم على إبصارها ، وهو الذي صرح به حديثا الإيمان والوحي ، بل صرح القرآن بتمثل جبريل في صورة إنسان في قوله تعالى حاكيا قصة مريم : ( إذ أرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) ( مريم : 17 ) .