جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١١٧وبيان ذلك أن الشيطان – لعنه الله – ألقى في نفس آدم وحواء عليهما السلام أن تلك الشجرة من أكل منها ظل خالدا في النعيم ، ومن طبيعة النفس الإنسانية حب الخلد وكراهة الفناء ، فلا عجب إذا تعلقا مع ذلك بها لولا أن عهد الله كان يحجزهما عنها ، ثم سعى – لعنه الله – في إنسائهما العهد بما يلقيه في صدورهما من الوساوس التي تشغلهما عنه ، وفي غمرة الغفلة ألجأهما إلى الأكل منها بدافع حبهما للخلد فلم يراعا إلا وقد بدت لهما سوآتهما فتذكرا عهد الله فآبا إليه بالندم والحسرة على مقارفتهما معصيته ، وهذا التأويل أحسن ما يجُمع به بين الآي المتحدثة عن هذه القصة وإن لم أجده مأثورا عن أحد ، وما أحسن ما قيل :
ويؤيد ما ذكرته أن الله سبحانه أراد بقصة آدم تنبيه ذريته إلى مكائد الشيطان ووجوب احتراسهم منها وتفطنهم لها، من المعلوم أن إغواءه لهم لا يكون ببروزه إليهم ومشافهته إياهم ، وإنما يكون بوساوسه الخادعة التي يلقيها في صدورهم فناسب ذلك أن يكون شأنه مع أبيهم كشأنه معهم .
وإن اعترض معترض بأن الله تعالى وصف آدم بالمعصية والغواية في قوله : ( وعصى آدم ربه فغوى ) ( طه : 121 ) ، وما ذكر في هذا التأويل يستلزم تبرئته من الغواية والعصيان لأن الجدير بحلم الله عز وجل أن لا يؤاخذ عبده بما قارفه نسيانا ، فإن النسيان ليس من كسب الناس وإنما هو أمر مفروض عليه ، ومن المعلوم أنه تعالى آخذ آدم بصنيعه هذا إذ أبدى له سوأته وأخرجه من جنته .