جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ١٢٠

وأصح هذه الأقوال القول الأول ، وأبعدها عن الصواب والحق قول الحشوية ، فإن الذين اصطفاهم الله من بين خلقه بأن جعلهم وعاء لنوره وحملة لأمانته ، وشهداء على خلقه هم أحق الخلق بالبعد عن سفاسف الأمور فضلا عن المعاصي ، وقد دل القرآن أن طائفة من عباد الله ليست للشيطان عليها سلطان ، وذلك في قوله تعالى في خطابه لإبليس : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ( الإسراء : 65 ) ، وقوله فيما يحكيه عنه : ( لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) ( ص : 82 – 83 ) ، وأي عباد أحق بهذه العناية الربانية التي تباعدهم عن مؤامرات الشيطان ، من أولئك الذين اختصهم بكرامة النبوة وبوأهم منصب الرسالة.

إن كل عاقل ليدرك أن الله لا يختار لهذا الأمر الجلل ، ولا يرضى لهذه المهمة العالية إلا من كان من عباده أزكى عنصرا وأطيب فطرة ، وأوفر عقلا ، وأطهر سريرة ، وأقوم سيرة ، وأنور فكرا ، وأخشى لله ، وأكثر تحريا لمرضاته ، ووقوفا عند حدوده ، ويقظة في كل ما يأتي وما يذر .

أما ما تشبث به الذين رموهم بالعصيان ونسبوهم إلى الفساد فهو أوهى من نسج العنكبوت ، فما لنا وللاشتغال به ، وفي بطلانه ما يكفينا مؤونة إبطاله ؟ ولعل أقوى ما تعلقوا به قصة آدم هذه ، وقد علمت ما فيها والحمد لله .

هبوط آدم وحواء إلى الأرض

والعطف بالفاء في قوله : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) ( الآية 36 – البقرة ) لأن المعطوف فرع عن المعطوف عليه ومسبب له ، إن فسر الإزلال بالإيقاع في المعصية ، فإن اخراجهما من الجنة ناشىء عن ذلك ، وإن فسر الإزلال بالإخراج فهو من باب عطف التفصيل على الإجمال ، وجيء بالفاء لإفادتها الترتيب الذكري ، كما في قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها يأسنا ) ( الأعراف : 4 ) ، وقوله : ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ) ( القمر : 9) ، ومثله يقال في قراءة حمزة : ( فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه )

(

٩٣٩ / ١٬٤٤٧