جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ١٢١

الآية 36 – البقرة ) ، وبهذا يندفع ما قاله ابن جرير من لزوم التكرار على هذه القراءة فإن عطف التفصيل على الإجمال شائع في القرآن وغيره من الكلام العربي ، ومن ناحية أخرى فإن (( ما كانا فيه )) ليس نصا في الجنة لاحتمال أن يفسر بنعيمها أو بما كانا عليه من طاعة الله وأنسها ، فأخرجهما الشيطان عنه إلى نقيضه من المعصية ووحشتها .

ومهما يكن المراد (( بما كانا فيه )) من الجنة ونعيمها ، أو من الطاعة وأنسها ، فإن التعبير بالموصول يفيد التفخيم كما هو في قوله تعالى : (( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) ( طه : 78 ) ، وفيه تلويح إلى ما لحقهما من الخسران بسبب هذا الإخراج ، وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تليت عليه موعظة وذكرى ، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس ، فإنه هو الذي جر على أصل الإنسانية هذه المصيبة فما أجدر الفروع أن تثأر لأصلها بمعاداة الشيطان وحزبه ، ومقاومة وساوسه، والحذر من إغرائه وإغوائه ، والسعي إلى تخييب سعيه في إضلال البشر ، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم ، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها ، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب الآباء والأجداد تأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب ، وقد اتبع القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله تعالى : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) ( الأعراف : الآية 27 ) .

هذا وقد استدل بأمرهما بالهبوط من قال إنها جنة الخلد – كما سبق ذكره – كما استدل به الجبائي القائل بأنها جنة في السماوات ؛ والذين قالوا إنها كانت في الأرض حملوا هذا الهبوط على الانتقال من مكان إلى آخر كما في قوله تعالى ؛ ( اهبطوا مصر ) ( البقرة : 61 ) .

٩٤٠ / ١٬٤٤٧