جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٢٤ولا يشكل أمر آدم وحواء بالهبوط من الجنة مع ذريتهما مع عدم وجود الذرية حينئذ ذلك لأنهما عليهما السلام كانا منطويين على عناصر هذه الذرية فهبوطهما هبوط للجميع ولو بقيا مكانهما لظهرت ثم ذريتهما ولكان ذلك المكان مستقرا لها .
وذهب ابن عاشور إلى أن جمع الضمير مع إرادة التثنية به لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإظمار من قوله :
( وكلا منها رغدا ) والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس :
وإنما له صاحبان لقوله : (( قفا نبك )) ، وقال تعالى : ( فقد صغت قلوبكما ) ( التحريم : 4 ) (1) .
وما قاله وإن ساغ عربية فإن القرائن دالة على القول الذي صححته . صححته .
والعداوة المقصودة في قوله تعالى : ( بعضكم لبعض عدو ) ( الآية 36 – البقرة ) هي عداوة الشيطان للإنسان عند من قال بدخول إبليس في الخطاب بقوله : ( اهبطوا ) ، ومن قال بدخول الحية أيضا قال بأن وصف العداوة شامل لها ، فهي وإبليس عدوان لآدم وحواء بالأصالة ولذريتهما بالتبعية ، فالمقصود بالعداوة إذا ما يكون بين ذريتهما من تنازع وتقاتل على متاع الحياة الدنيا ، وقد بدأت هذه العداوة تتجسد في سلوك الإنسان منذ أن قتل قابيل هابيل ، ولا زالت مستعرة نارها والشيطان هو الذي يسعرها بمكائده ، فلا يفتأ يوغر الصدور ويثير الأحقاد ويبعث الضغائن حتى تظل الإنسانية في شقاء مستمر ، وتتقطع ما بينها الصلات التي أمر الله برعايتها ، وغير خافٍ أن ذكر هذه العداوة في معرض الحديث عن إغواء إبليس لآدم وزوجه فيه إشارة إلى أن منشأها مكائد إبليس العدو الأول للإنسان ، وفي ذلك تعريض بوجوب أخذ الحذر من شروره والتفطن لمكائده بين الناس .
وإفراد لفظ عدو – مع أن العداوة ليست بين فرد ٍ وفرد بل هي بين أكثر أفراد الجنس البشري غالبا – لوجهين :
أحدهما : أن بعضا وكلا مفردان لفظا وإن دلا على الجمعية ، فيجوز فيهما رعاية لفظهما فيفردا ، ورعاية معناها فيجمعا .