جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٣٦من مشاق وأتعاب ، ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة ، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ظلال الراحة ، ويتقلب على بساط النعيم حتى إذا ما بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها وكشرت له الأيام عن عضل أنيابها ، وفرته الحوادث بأظفارها ، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم الفطرية ، فلا يكاد يفتح عينه على الدنيا إلا ويرى أيامها عابسة أمام ناظريه فيقضي مرحلة طفولته كلها في بؤس وفقر وعرى ومسغبة وذل وخوف ، وكرب وبلاء حتى إذا ما ناهز الإحتلام وبلوغ سن الرشد تنفس الفرج فانزاحت الشدائد فتذوق لذة العيش ، ولامس برد النعيم ، وماذا عسى أن تكون حالة الأطفال الذين ينشأون في أ زمنة الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل ، وتستلب الطارف والتليد، فلا يسمعون إلا أصوات الانفجار وقصف المدافع وهدير الطائرات ، ولا يشاهدون إلا جثث القتلى المنتزعة أشلاؤها ، وحطام المساكن المقفرة من أهلها ، ولا يعرفون ما هو الأمن والاستقرار في الحياة ، ولا يقتاتون إلا بعد جهد ونصب ، أفيقال إن طفولة هؤلاء جنة ونعيم ؟ أولا يمكن أن يكون من بين هؤلاء من تبتسم له الدنيا وتغدق عليه عطاءها ، وتوسع له فضاءها بعد اجتيازه مرحلة صباه ؟
وقل مثل ذلك في الغي والرشد ، فقد يرشد بعض الناس من أول أمرهم حتى إذا بلغوا سن النضج العقلي ،
والاتساع الفكري ، والانتفاع بالعظات والعبر أضلهم الهوى فاقتادهم إلى أشراك الردى والعياذ بالله ، بينما تجد
آخرين لا تتسع قلوبهم لموعظة ولا تنشرح صدورهم لذكرى فيتخبطون في ضلالهم ، وينهمكون في فسادهم ،
حتى إذا ما كاد المنون يختطف أرواحهم شملتهم عناية الله فأنقذتهم الهداية من الورطة التي وقعوا فيها فيما
سبق ، وهكذا تجد الناس متفاوتين في كل شيء ، فلا يمكن أن يكونوا معنيين بهذه القصة بحسب أطوارهم .