جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ١٤٥

وقد علمتم أن المؤمن في الدنيا لا يبارحه الخوف لأنه الواقي من الخوف في الآخرة إذ لا يجمع الله على عبد خوفين ، وفي الآيات القرآنية الواصفة للمؤمنين بالخوف والآمرة به ، وفي أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ما يكفي دليلا على أن الخوف من الله – كرجائه تعالى – من أهم واجبات الدين ، فبما يستقيم أود النفس ، وتنزجر عن المعاصي ، وتسابق إلى الخيرات ، وإذا كان النبيون أشد خوفا من الله كما ثبت في الحديث، فما بالكم بسائر المؤمنين على أن خوف كل أحد إنما هو بقدر علمه وإيمانه ، فكيف يقال إن المؤمنين لا يعتريهم الخوف في الدنيا ؟ وأما الحزن فهو أمر فطري جبلت عليه نفوس البشر وإن تباينت فيه بحسب اختلاف أمزجتها، وهو يعتري البر والفاجر ، كيف وقد جلدا ، فقد وصف الله يعقوب عليه السلام بقوله: ( وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) ( يوسف : 84 ) ، وحكى عنه قوله : ( إني ليحزني أن تذهبوا به ) ( يوسف : 13 ) ، وقال لصفوة الأنبياء وخاتم المرسلين : ( ولقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) ( الأنعام :33 ) ، وثبت في الحديث أنه صلوات الله وسلامه عليه قال – ودمعه ينسكب وقلبه يتألم على فراق قرة عينه وفلذة كبده إبراهيم الذي وُهبه على الكبر – (( وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون )) فما قاله الإمام من أن المهتدين لا يعتريهم الخوف والحزن في الدنيا ترده النصوص والمشاهدات .

واستدل الفخر الرازي بهذه الآية على عدم خوف المؤمن بعد الموت لا في قبره ، ولا عند بعثه ولا في الموقف ، وعزز هذا الاستدلال بمدلول قوله تعالى : ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي

كنتم توعدون ) ( الأنبياء : 103) .

وذهب الأكثرون إلى أنه لا دليل في الآية على نفي الخوف يوم القيامة عن المطيعين لما وصفه الله تعالى

ورسوله من شدائد ذلك اليوم إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا .

٩٦٤ / ١٬٤٤٧