جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٤٤وهذه الحالة إنما هي في الحياة الآخرة طبعا عندما تتلقاهم الملائكة ، ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ماتدعون ) ( فصلت : 30- 31)، أما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفا لعدم أمنهم من مكر الله ، ولمعرفتهم بعظم الهول وجلل الخطب ، فلذا كانوا أشد مراقبة للنفس ومحاسبة لها ، ويدل على ذلك ما وصفهم الله به في كتابه كقوله : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون .. إلى قوله .. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) ( المؤمنون :57-60) ، وقد وصف الله بالخوف الأنبياء – وهم صفوته من خلقه – ومن ذلك قوله في زكريا وآله ( وكانوا يدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) ( الأنبياء : 90 ) ، وكذا الحزن ، فإن من شأن المؤمن أن يحزن في الدنيا بسبب شعوره بالتقصير في طاعة الله ، وهو يرى نفسه دائما مسبوقا بالمجدين في الطاعة والمسارعة إلى الخيرات كما أنه يحزن – كما يحزن غيره – لما يعتريه من مصائب الدنيا ونوائبها .
وظاهر كلام الإمام محمد عبده في المنار أن الخوف والحزن منفيان عن أهل الهدى في الدنيا والآخرة
ونصه : (( فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت ، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله ، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده ، لأنه موقن بأن الله يخلفه فيكون كالتعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع )) . (1)