جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ١٦٦

واختتمت هذه الآية بأمرهم بالتقوى في قوله: ( وإياي فاتقون ) كما اختتمت التي قبلها بقوله:( وإياي فارهبون) وليس في ذلك تكرار لأن التقوى وإن استلزمت الرهبة فهي مستلزمة معها تجنب ما يؤدي إلى الأمر المرهوب والإتيان بما يقي منه إذ الرهبة انفعال نفسي قد لا يصحبه عمل ولا يقترن به ترك بينما التقوى هي اجتناب لمساخط المرهوب بفعل مأموره وترك منهيه ، وكل واحدة من الفاصلتين أنسب بما تقدمها ، ففي الآية السابقة ذكروا بنعمة الله وطولبوا بأن يفوا بعهده ليفي بعهدهم ، وفي هذا ما يدعوا إلى رهبتهم من قطع النعمة عنهم وعدم الوفاء بعهدهم إذا لم يفوا بعهده ؛ وأما في هذه الآية فقد طولبوا بالإيمان وحذروا من الكفر ونهوا أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، وذلك يستلزم فعلا وتركا ، فكان فصلها بالأمر بالتقوى أنسب .

وقيل إن الخطاب في تلك الآية لعامتهم فلذلك فصلت بالأمر بالرهبة لأنها تكون في العوام كما تكون في

الخواص ، والخطاب في هذه الآية لخاصتهم وهم العلماء ، فلذلك فصلت بالأمر بالتقوى ، لأن التقوى لا تكون إلا مع العلم بما يُتقى ، وقيل : قدم الأمر بالرهبة لأنها وسيلة للتقوى، فمخافة الله في النفس طريق إلى اتقائه بإتيان أمره واجتناب نهيه .

( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون ) ( الآية : 42 – البقرة )

.

هذه الآية – بما فيها من جمل – معطوفة على مجموع ما تقدم من قوله : ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم )… الخ ، ففي الآيتين السابقتين خصوصا في قوله : ( ولا تشتروا ) تحذير من الضلال، وفي هذه تحذير من الإضلال ، والإضلال لا ينشأ إلا عن الضلال ، كما أن هدى الغير لا يكون إلا بعد هدى النفس .

واللبس الخلط بين الأشياء المتشابهة حتى يتعذر تمييز بعضها من بعض أو يتعسر ، ويتعدى بالباء واللام

٩٨٥ / ١٬٤٤٧