جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٦٧وعلى ، بحسب اختلاف مقتضى الكلام ، والباء هنا للإلصاق لأنهم منهيون عن الخلط بين الحق الذي أنزله الله عليهم ، والباطل الذي استوحوه من هدى أنفسهم فأضافوه إلى المنزل ، وهذا كما يقال خلطت البر بالشعير ، والماء باللبن ؛ وذهب الفخر الرازي إلى أنها الباء الآلية المسماه بباء الاستعانة ، كالتي في قولك كتبت بالقلم ، وعليه فالمعنى لا تجعلوا الحق ملتبسا على الناس بسبب الباطل الذي تأتون به ، وهو ما يوردونه من الشبه الحائلة دون وصول حقيقة الحق إلى أفهام عوامهم ، وهذا الذي ذهب إليه الفخر جوزه الزمخشري من قبل ، وقال باحتماله كثير من المفسرين ، واستدل له الفخر بقوله تعالى : ( وجادلوا بالباطل ليد حضوا به الحق )(غافر: 5)
وكونها للإلصاق أقرب لأن متعلقها مشتق من اللبس ، وهو دال على الخلط بين شيئين أو أشياء ، بخلافها في آية الكهف فهي متعلقة فيها بما تصرف من المجادلة أولا ، وما اشتق من الإدحاض ثانيا ، والفرق بينهما وبين اللبس واضح .
والحق معروف وقد سبق الكلام فيه ، والباطل نقيضه مأخوذ من بطل إذا فنى ، ولذا قالوا إن أصدق الشعر
قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ....
ومشتقاته دالة على الزوال ، ومنها قولهم بطل الأمر إذا لم يكن صحيحا ، ومعناه أنه ليس له بقاء ، وكذا
تسمية الشجاع بطلا لتلاشي شجاعات خصومه بين يديه ، والمراد بلبسهم الحق بالباطل خلط ما أوتوه من الكتاب بما أضافه إليه الأحبار من إفكهم ، أو ما ألصقوه به من التأويلات الباطلة ، كما سبق قبل قليل ، وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الحق بالصدق ، والباطل بالكذب ، وقال آخرون إن الحق هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والباطل إنكار أحبار اليهود أن تكون صفات النبي المنتظر منطبقة عليه،وقيل :