جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٦٨الحق هو صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والباطل صفات الدجال ، وذلك أن في كتب بني إسرائيل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته ، وذكر الدجالين الذين يدعون النبوات وهم كاذبون ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانكشفت صفاته لأحبار اليهود اضطرمت في قلوبهم نار الغيظ لكونه من ولد إسماعيل
فادعوا أنه من الدجالين مع معرفتهم بنعوته التي تميزه عنهم ، وذكر بعض السلف أنه آوى إلى المدينة – وكانت تسمى يثرب – جماعة من ذرية هارون عليه السلام فرارا من اضطهاد الدولة الرومية التي أذاقت بني إسرائيل فشوهوا الحقيقة وكتموا الحق .
فإن الحق ما طابق الواقع ، والباطل ما خالفه ، وحمل لفظيهما على العموم أولى ، وما ذكروه يندرج
تحت ذلك .
وكما نهوا عن لبس الحق بالباطل نهوا عن كتمانه لأن الحق أمانة عند عارفيه ، فعليهم أن يبلغوه من لا
يعرفه ، والذين يضلون الناس عن سبيله لهم في ذلك نهجان بحسب اختلاف أحوال الذين يضلونهم ، لأنهم إما
أن يكونوا على معرفة به أو بشيء منه ، وإما أن يكونوا غير عارفين به رأسا ، فمسلكهم مع الطائفة الأولى
خلطه بالباطل ، وذلك بإثارة الشبهات من حوله ، حتى تعمى حجته وينطمس دليله ، ومسلكهم مع الطائفة الثانية حجبه عنهم حتى لا يلمع لهم شيء من نوره .
وجملة ( تكتموا الحق ) معطوفة على ما قبلها فهي داخلة في النهي ، وهذا ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، إذ فسرها بقوله : ( ولا تكتموا الحق ) ، وأجاز ابن جرير أن تكون الواو للمعية والفعل