جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٧٣إذ إنما ، أو من زكا الشيء إذ طهر ، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة ، وتضاعف حسناته ، وتقيه شرور الدنيا والآخرة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :
( ويربي الصدقات ) ( البقرة : 276 ) ، وهي تطهير للمال وصاحبه ، كما نص عليه قوله تعالى : ( خذ من
أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( التوبة : 103 ) ، وذلك أن النفس البشرية جُبلت على حب الاستزادة
من الأموال ، فإذا تركت وما جُبلت عليه تأصلت هذه الجبلة فيها فاستعصى علاجها وتعذر استئصالها فتسعى إلى توفير المال ولو على حساب الغير ، وقد جعل الله إيتاء الزكاة وسيلة من وسائل علاجها .
والزكاة فُرضت في الإسلام في مرحلة مبكرة من تأريخ دعوته ، وقد سبق شرح ذلك وبيان أدلته وهي
الآيات المكية الآمرة بها ، والمحذرة من التهاون فيها ، والمادحة لمن حافظ عليها ، ويعضد هذا أن في القرآن
المدني ما يحكي أمر المؤمنين بها قبل مشروعية الجهاد – وذلك قبل الهجرة قطعا – وهو قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( النساء : 77 ) ، وإنما فُصلت أحكامها في العهد المدني ، وهذا الذي دعا كثيرا من الفقهاء وغيرهم إلى القول بأنها لم تفرض إلا في المدينة ، وكثير منهم قالوا :
إن فرضها كان في السنة الثانية للهجرة ، وحدد بعضهم ميقات فرضها من تلك السنة ، فقال : إنها فرضت بعد الصوم ، وقال آخرون : إنها فرضت في السنة الرابعة للهجرة .
ولما أن مشروعية الزكاة لسد حاجات الفقراء – بجانب ما فيها من تطهير النفس والمال – فرضت فيما
هو قوام للحياة من أنواع الزرع والماشية ، كما أنها فرضت في التجارة لأجل ما فيها من تبادل المنافع ، وفي
النقدين لأنهما وسيلة قضاء الحاجات وجلب المنافع ، ومن هنا لا نجد محيصا من القول بوجوبها في أي عملة