الجامع لابن جعفر ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٢٢ظفروا، فقتلوا، و غنموا، فلم يزالوا على مسيرهم حتى لقيهم جيش، فقال لهم الذي يقودهم: إنا قد أصبنا دماء و أموالا في مسيرنا هذا و قتالنا، إنما أصبناها برأي و لم نصبها بدين، و نحن نرضى بحكم كتاب الله، و برأي المسلمين فيها، ثم قوتلوا فقتلوا، فبلغ ذلك أهل دينهم من خراسان، فنظروا فيما أصابوا، فإذا هو حرام، فبرئ منهم بعض أهل دينهم، إذ أصابوا الحرام، و تولاهم قوم برضاهم بحكم كتاب الله و رأي المسلمين، و قولهم: إنا أصبنا برأي فاختلفوا، فردوا ذلك إلى أهل دينهم من أهل البصرة، فاختلف أهل دينهم من أهل البصرة، فرضوا كلهم بأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله، فلما قصوا عليه هذه القصة قال لهم: إن من أصاب شيئا من دم أو مال برأي، و لم يصبه بدين، ثم رضي فيه بحكم كتاب الله، و رأي المسلمين لم يبرأ منه، فرضي الفريقان بقوله، و خرجوا جميعا على ولاية أصحابهم، و من يتول قوما يكن منهم، و من يحب قوما يكن منهم- تم الباب من كتاب أبي جابر-
و من غيره- و عن من يلعن الدواب و البلاد و الصبيان هل يبرأ منه ذلك؟
فعلى ما وصفت فأما من يلعن الدواب و البلاد فقد وجدنا في الأثر مما يضاف إلى جابر بن زيد رحمه الله، و ذلك في سيرته التي تنسب إليه- و لعل ذلك في غير سيرته، أن من لعن الدواب، و من لا يستحق اللعنة رجعت اللعنة عليه، و ذلك مما يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم، و من استحق اللعنة فقد استحق عداوة الله، و قد أعلمتك أن ذلك من الكبائر، و أهون ما يكون من أمر هذا، و لم نعلم ما معناه في ذلك، أن يوقف عن ولايته، و ذلك إذا لم يستتب، فإن استتيب من ذلك فلم يتب برئ منه بإصراره على ذلك، و إنما استضعفنا البراءة لأشياء عرفناها من مجاز الكلام.
من ذلك قول الله تبارك و تعالى: « … وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ»(1)، و إنما قال في تأويل ذلك: إن الملعون آكلها، و هو أبو جهل بن هشام، و تصديق ذلك في كتاب الله قوله: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الاَثِيمِ»(2)، و إنما المعنى ها هنا على ما عرفنا إلى آكل الشجرة ليس إلى الشجرة.
و كذلك كنت سألت أبا عبد الله محمد بن روح –أحسب عن مثل هذا – فكان احتج بمثل هذا و استضيق بقطع البراءة إلا بعد الإصرار، و قال: إن التوراة أو يوجد في التوراة الجمل الملعون يعني: رب الجمل هو الملعون، و ذلك يكون عندنا في ضروب البراءة بالشبه، أن يكون صاحب الدابة هو الملعون مع القائل، و سكان البلد هم الملعونون، إلا أن يعلم منه من هو يقصد إلى لعن البلد نفسه أو لعن الدابة نفسها، فهذا يبرأ منه من حينه قبل أن يستتاب.