الجامع لابن جعفر ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٦٨فإن قال قائل: كيف يكلف الناس علم ما لا يعلمونه أو لا تعرفه قلوبهم؟
فليعلم: أن الله تبارك و تعالى قد كلف أقواما علم ما لا يعلمونه من دينه، و أقام عليهم الحجة بمعرفته، فإذا جهلوا ما قامت به حجة الله لم يعذرهم الله بذلك.
و قد قال الله تعالى: (قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنَ اَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)(1).
و قد ذم الله تعالى الذين لا يعلمون، فقال: ( … وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(2)، و قال: (أفَمَنْ يَّعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)(3)، (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(4).
فإن قال قائل: ففيم ذا يتبع الناس فقهاءهم، و هم يسألونهم عن الطلاق و الحيض و الصلاة، و الصيام، و الحدود و الأحكام، و يقلدونهم ذلك فيما لا يعلمونه؟
فاعلموا، أن جميع الحوادث على منزلتين:
[المنزلة الأولى] منها: ما فيه الحجة في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن أفتى من الفقهاء بتحليل ما كان حراما في حجة الله فهو هالك، و من استحل بقوله ما أحله من حرام فهو هالك، و كذلك إذا حرم شيئا مما هو حلال عن الله، و الحجة من الله قائمة بتحليله هلك، و هلك من حرم ما أحل الله بقوله.
(1) - الآية مكية رقم 140 من سورة الأنعام.
(2) - الآية مكية رقم 187 من سورة الأعراف.
(3) - الآية مدنية رقم 19 من سورة الرعد.
(4) - الآية رقم 79 من سورة الإسراء.