الجامع لابن جعفر ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٥و منهم من طلب بذلك المال و استمالة الرجال، و الرفعة و العلو على الناس، و منهم من يطلب بذلك الرياء، و يتأكل بذلك الأغنياء، و كل ذلك من طلب أسباب الدنيا و الركون إليها، و الشفقة عليها.
فهذه صفة من ضل من العلماء، و أمثال هذا من صفاتهم القبيحة، برأنا الله و جميع المسلمينمن الصفة القبيحة بمنه و فضله، إنه أرحم الراحمين.
ثم اتبع كل صنف من العلماء أتباع و اشياع، يزيّنون مقالهم، و يفعلون فعالهم، اتباعا و تقليدا، على سبيل الحيرة بلا علم و لا بصيرة، فيتعبدون بذلك، و يتهجدون آناء(1) الليل، و يقطعون بذلك صوم الهواجر(2)، و أن يقصدوا إلى ما قصد إليه العلماء، و ما لهم بالاقتداء بهم، و الدينونة(3) بدينهم، اتّبعوهم على العمى فسلكوا سبيلهم، و دلّوا على أدلتهم، و لم يروا إلا ذلك، فصاروا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، فهلك العلماء بالهوى و الأتباع بالعمى، و العلماء دانوا بالهوى و الأتباع دانوا اتباعا للعلماء، فهلكوا بذلك جميعا من أسباب حبّ الدنيا، نعوذ بالله من الهلاك.
و قال وهب بن منبه: من طلب الدنيا بعمل الآخرة نكس(4) الله قلبه، و جعل اسمه في النار.
(1) - على وزن أفعال: هي الأوقات، و في واحدها لغتان: إنى بكسر الهمز و القصر، و أنى وزان حمل، تأنى في الأمر: تمكث و لم يعجل، و الاسم منه أناة على وزن حصاة.
(2) - الهواجر جمع الهاجرة، و هي نصف النهار في الحر الشديد خاصة.
(3) - التعبد.
(4) - نكست الشيء نكسا، من باب قتل: قلبته، و المراد: طمس الله على قلبه.
و وهب بن منبه الصنعاني عالم أهل اليمن، روى عن ابن عمر و ابن عباس و جابر بن زيد و غيرهم، و كان عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير لأنه صرف عنايته إلى ذلك و بالغ، كان ثقة تابعيا على قضاء، و توفي عام 114هـ، و يروي الحديث: من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه و محق ذكره، و أثبت اسمه في أهل النار، رواه الطبراني الكبير، و أبو نعيم.