أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٦٣الثالثة : للظن حالتان : حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها ، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن ، كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات ، والحالة الثانية ، أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده فهذا هو الشك فلا يجوز الحكم به ، وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفاً وقد أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله بالظن وجواز العمل به ، تحكماً في الدين ودعوى في المعقول ، وليس في ذلك أصل يعول عليه ، فإن البارئ تعالى لم يذم جميعه ، وإنما أورد الذم في بعضه ، وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة ( إياكم والظن ) فإن هذا لا حجة فيه ، لأن الظن في الشريعة قسمان : محمود ومذموم فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه ، والمذموم ضده ، بدلالة قوله تعالى : " إن بعض الظن إثم " ، وقوله : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " [ النور : 12 ] ، وقوله ، " وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا " [ الفتح : 12 ] ، و" قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم مادحاً أخاه فليقل أحسب كذا ولا أزكي على الله أحداً " ، وقال : " إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض " خرجه أبو داود وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز ، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبح ، قاله الماوردي .