أحكام الحج والعمرة لسعيد القنوبي
الجزء ١ · صفحة ٨٣وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنما أَسْرَعَ عند خروجه مِن هذا الوادي لأنّ النصارى كانوا يَقفون فيه، وأنا لم أَجِد روايةً صحيحةً ولا حسنةً بل حتى ولا ضعيفة تُنْسَبُ إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-تدُلُّ على ذلك، وإنما رُوي ذلك عن عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه عندما مَرَّ بِهذا الوادي ذَكَرَ كلاما مِنه:
........................ … مخالِفًا دِينَ النصارى دِينُها
فقالوا إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسْرَعَ مِن أجل ذلك، وهذا كلام مردود، وذلك لأنه تَكفي في المخالَفة ألاّ يَقف النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الموقف وهو لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ بِعرفة، كما هو معلوم وقد أجمعت عليه الأمّة، وأيضا لم يَثْبُت عن النصارى أنهم كانوا يَقِفُون في هذا المكان ولا أنهم كانوا يَحُجُّون، فهذا لا دليل فيه البتة على ما ذَكَروه.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أسرَعَ في ذلك الوادي مِن أجل مخالفة الكفار لأنهم كانوا يَتفاخرون فيه بآبائهم، وهذا لا دليل فيه، وذلك لأنه لم يَثْبُت-أوَّلا وقبل كل شيء-عن الكفار أنهم كانوا يَتفاخَرون بِآبائهم في هذا الوادي، وإنما كان يَقع مِنهم ذلك في مِنى .. قيل: عند جَمْرة العَقَبَة، وقيل: في مِنى، ولم يَثبت عنهم أنهم كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي، ثم إنه لو كان الأمر كذلك-أي لو كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي-لَمَا كان في ذلك دليل، لأنه يَكفي في المخالفة ألاّ يَقع مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ومِن المسلمين ذلك.