الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٢ومن تسخيره تعالى ما في الأرض لمصلحة الإنسان تمكينه له من الحيوانات المختلفة سواء ما كان على أديم اليابسة أو ما كان في أعماق البحار والمحيطات ، أو ما كان يسبح في الفضاء طيراناً ، وسواء ما كان منها صغير الحجم أو ضعيف القوة ، وما كان عظيم الجسم قوي البنية مهيب السطوة ، فإن سيطرة الإنسان عليها جميعاً سيطرة غالبة وذلك بما منحه الله عز وجل من ملكات العقل ووسائل التدبير.
وقد جعل الله تعالى منافعها متفاوتة بحسب حاجة الإنسان إليها ، وكيفية استغلاله لها، ومن بينها الغذاء الذي جعله الله قواماً للأبدان ، وهنا تتجلى وسطية الإسلام بين الإفراط والتفريط اللذين لا ينفك عنهما غيره من الأديان والأفكار والنظم ، فهو يباين الديانة البرهمية التي تحرم على أتباعها أكل ذوات الأرواح جميعاً ، كما يباين المذهب الإباحي الذي لا يتقيد في ذلك بقيد ولا يقف عند حد ، إذ الإسلام إنما يبيح الطيب دون الخبيث والنافع دون الضار ، فلذلك أحل منها ما أحل وحرم منها ما حرم بحسب ما تقتضيه الحكمة الربانية من تحقيق منفعة العباد وتجنيبهم كل ما هو ضار .
على أن ما أباحه الإسلام من أجناس الحيوانات لم يكل إلى الإنسان إزهاق روحه بأي كيفية كانت ، وإنما شرع لذلك أحكاماً وحد حدوداً تتلاءم مع الفطرة وتتواءم مع دواعي الرحمة التي تتدفق بها مشاعر الإنسان السليم ، وبهذا ارتفع الإنسان عن دركات السبع الفتاك الذي يعدو على البهيمة فيفري أديمها ويمزع أشلاءها ويلتهم لحمها ولو لم تفارق الحياة جسمها ، ويظهر ذلك جلياً فيما أتى به الإسلام من أحكام الذكاة الشرعية التي فيها الرفق بالحيوان والسمو بالإنسان ، كما يتحقق بها المصلحة وتندرئ بها المفسدة .