الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ١٩غير أنَّا رأينا العلامة السيد محمد رشيد رضا يجنح في تفسيره المنار إلى أن الذكاة ليست من العبادات ، ويومئ إلى أنه يسوغ للناس أن يعدلوا فيها إلى الوسائل المستجدة في إزهاق الروح ، لأنها أسهل مما هو معهود من قبل ، وهذا نص كلامه :
" ولما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها هي الذبح ، كثُر التعبير به فجعله الفقهاء هو الأصل وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه ، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيها لما فيه من الرطوبات والفضلات ، ولهذا اشترطوا فيه قطع الحلقوم والودجين والمريء على اختلاف بينهم في تلك الشروط ، وإن هذا لتحكمٌ في الطب والشرع بغير بينة ، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتاً وصيد السهم والمعراض إذا خزق لأن هذا الخزق لا يخرج الدم الكثير كما يخرجه الذبح ، والصواب أن الذبح كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس ، فلذلك اختاروه وأقرهم الشرع عليه أنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل ، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك ، وإني لأعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية بالكهربائية – إن صح هذا الوصف فيها – لفضّلها على الذبح ، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو لغيرهم من الأحياء ، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه ، وأمور العادات في الأكل واللباس ليست مما يتعبد الله الناس تعبداً بإقرارهم عليه ، وإنما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها ، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في مسألة من المسائل إلا بفهم كل ما ورد بجملته ، ولو كان إقرار الناس على شيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها لوجب على المسلمين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية أكله وشربه ونومه