الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٧٤وقد كان استقر في نفسي منذ عقود من السنين أن هذا هو رأي الإمام ابن عبد البر ، وذلك بسبب قراءتي لما نقله عنه الإمام القرطبي في تفسيره ، إلا أني بعد اطلاعي على نص ما قاله ابن عبد البر في الاستذكار والمقارنة بينه وبين ما نقله عنه القرطبي اتضح لي أن القرطبي لم ينقل عبارته كاملة وإنما اقتضبها ، فلذلك يتوهّم من اطلع على النقل أن ابن عبد البر يرى حمل مشروعية التسمية في الآية على حالة الأكل دون الذبح مع أن عبارة
ابن عبد البر صريحة بخلاف ذلك ، ومما جاء في كلامه : " إنما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ذلك ليعلمهم أن المسلم لا يُظن به ترك التسمية على ذبيحته ، ولا يُظن به إلا الخير ، وأمره محمول على ذلك ما خفي أمره حتى يستبين فيه غيره "(1) ، وهذا هو الذي نقله أيضاً الحافظ ابن حجر عنه في الفتح(2) .
وقد اتضح من هذا التأويل الصحيح للحديث أن التسمية المطلوبة فيه عند الأكل غير التسمية المطلوبة عند التذكية بقوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه " ونحوه ، وهو مما يتبادر للذهن من أول لحظة ، فإنه من المعلوم أن قوله : " لا تأكلوا " نهي ، والنهي حكمه مستقبلي إذ " لا " الناهية تخلص المضارع للاستقبال ، وقوله : " لم يذكر " نفي للذكر فيما مضى فإن المضارع تنصرف دلالته إلى الماضي عندما تدخل عليه " لم " الجازمة ، ومثله قوله تعالى : " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " فإنه أمر بالأكل ودلالة الأمر مستقبلية ، وقوله : " ذكر اسم الله " دالٌّ على أن الذكر واقع بالمأمور بأكله قبل حالة الأكل ، ولا حالة أنسب بذلك من حالة التذكية ، وقد نص عليها القرآن في قوله عز وجل : " فاذكروا اسم الله عليها صواف " ، ونصت عليها الأحاديث التي ناطت إباحة الأكل بوقوع التسمية عند الذبح والصيد .
تكملة في الفرق بين التذكية الشرعية
والطرق الحديثة في إزهاق الروح
(1) الاستذكار : 15/214 .
(2) فتح الباري : 9/636 .