منهج الاجتهاد الفقهي عند الإمام جابر بن زيد لـ؟؟ - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٣٧ومما يدل على تعففه وزهده أيضا، ما حكاه الحجاج بن أبي عيينة قال:" كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا، قال فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى منه إلا أن يكون خيرا قدمته."(1)
فكيف برجل يفتخر أن أعز شيء عنده نعلاه، تلك التي كان يحج عليهما، ويمشي إلى الخير بهما، ولا يملك شيئا ثمينا غيرهما.
ولم يكن فقره قدرا رضي به بل إنه كان أمنية دعا ربه أن يحققها له، وهو الذي يقول:" سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم."(2) فهذه هي أمنياته التي دعا الله أن يحققها له، وهي تدل على مدى زهده في هذه الدنيا.
وروي أنه كان عائدا إلى منزله ليلا، فاعترضته الكلاب في الطريق، فمر ببستان قوم فانتزع من حائطه قصبة ورد بها عن نفسه، فلما بلغ منزله أوصى أهله أن يحتفظوا بتلك القصبة حتى يردها إلى مكانها في الصباح، فاستغربوا منه هذا التصرف، وقالوا له إن القصبة شيء تافه وتهتم له؟ فقال:" لو كان كل من مر بهذا الحائط أخذ منه قصبة لم يبق منه شيء فلما أصبح ردها."(3) إنه يُعلِّم رحمه الله للأجيال معنى الورع والتعفف، إنه يتحرز حتى في أبسط الأشياء.
ثم انظر له حين يقع في يده درهم ستوق ( أي مزيف ) إنه يكسره ويرمي به لئلا يغري به مسلما.(4)
سباقه إلى الخير:
… لقد كان الإمام جابر سباقا للخير، يحب فعل الخير ونيل الأجر والثواب، ومن ذلك أنه قال:" نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك."(5) ومعنى ذلك أنه كان يسعى للعمل الذي يكون فيه الثواب أكثر، فالأجر على قدر المشقة.
(1) ابن كثير، البداية، ج9، ص 94.
(2) الدرجيني، الطبقات، ج2، ص 213. درويش، جابر، ص 115.
(3) الأصفهاني، الحلية، ج3، ص 87.
(4) المصدر نفسه، ج3، ص 88.
(5) ابن كثير، البداية، ج9، ص 94.