أ 130 موقف الإباضية من علي وعثمان
الجزء ١ · صفحة ١٣وإنما يذكرون قضية التحكيم، تحكيم الحكمين التي أُكره عليها الإمام عليٌّ، ولم يكن راضياً عنها، ونصحه كثير من أصحاب العقول والأفكار والبصائر عن قبول التحكيم، ولكن الظروف أجبرته على قبول التحكيم، ثم بعد ذلك انقلب أولئك الذين أرغموه على التحكيم إلى أولئك الذين رفضوا التحكيم بعد ظهور آثار التحكيم السلبية، فكان سبب في قتلهم وإبادة جمٍّ غفيٍر منهم، ونجد الأمة جلها تقف موقف غير المنصف في هذه القضية، فنجد أولئك الذين ناصروا الإمام علي، ووقفوا بجانبه وعضدوه، وحرصوا على أن لا تنال الخدعة شيئاً منه ولا من أمره، أولئك هم الذين يُرْمَوْنَ من قِبَل كثير من الكُتَّاب، فنجد أهل النهروان مُعرَّضين للنقد، ومعرضين للتكفير من قبل كثير من الكتاب، مع أنهم يعذرون الذين ثاروا على الإمام علي بقصد القضاء على الخلافة الإسلامية، وبقصد تحويلها إلى مُلك عضوض، فنجدهم يعذرون معاوية بن أبي سفيان، وأصحابه أهل الشام، بينما ينتقدون أهل النهروان ويقولون: إن معاوية مجتهد، وإذا كان معاوية مجتهداً، فلم لا يسوغ الاجتهاد لأهل النهروان ؟.
ويقولون أيضاً: إن معاوية كان من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كان هذا مسوغاً لعُذره، فكثير من أهل النهروان أيضاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ومنهم: حرقوص ابن زهير السعدي، وعبد الله بن وهب الراسبي، وآخرون؛ كانوا أيضاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وإذا جئنا إلى ما كتبه الإباضية في ذلك، نجد كِتابَتهم تتسم بالأدب والحشمة وتعظيم مقام الإمام علي واحترام قرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى في مقام العِتاب، لنسمع إلى أحدٍ من الذين عاتبوا الإمام علياً على قبوله تحكيم الحكمين، ماذا قال له؟ يقول العلامة أبو مسلم في قصيدته الرائية المشهورة "برائِية المحكمة" :
على أن عَلَتْ فوق الرِّماح مصاحفٌ ونادوْا إلى حُكْمِ الكتابِ نَصِيرُ