موقف الإباضية من عثمان وعلي ومسائل أخرى (نسخة ثانية) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أ 130 موقف الإباضية من علي وعثمان

الجزء ١ · صفحة ٧

هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئاً ما دون شك على عهد عثمان، وإن بقيَ في سياج الإسلام، لقد أَدْرَكَتْ الخلافة عثمان وهو شيخ كبير، ومن ورائه مروان بن الحكم يُصَرِّف الأمر بكثير من الإنحراف عن الإسلام، كما أن طبيعة عثمان الرَّخِيَّة، وحَدَبَه الشديد على أهله؛ قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله، وكانت لها معقِّبات كثيرة، وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً ، منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم، فلما أصبح الصباح جاء زيد بن أرقم خازن مال المسلمين، وقد بدا في وجهه الحزن، وترقرقت في عينيه الدموع، فسأله أن يُعْفِيَه من عمله، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين، قال مستغرباً: (أتبكي يا ابن أرقم أن وَصَلْتُ رَحِمي) فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف: (لا يا أمير المؤمنين، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيراً) فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين، وقال له: (ألقِ بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك).

والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات، فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف، ومنح طلحة مائتي ألف، ونَفَل مروان بن الحكم خُمْس خراج إفريقية، ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم على بن أبي طالب فأجاب: (إن لي قرابة ورحماً) فأنكروا عليه وسألوه : فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحماً ؟!) فقال: (إن أبا بكر وعمر كان يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي) فقاموا عنه غاضبين يقولون: (فهديهما والله أحب إلينا من هديك).

٧ / ١٥