ما كانت الحال فيه مؤكدة لما قبلها
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦وتقول: مررت راكباً بزيد إذا جعلت الحال لك. فإن جعلتها لزيد لم يستقم؛ لأن العامل في زيد الباء، ولكن لو قلت: ضربت قائماً زيداً كان جيداً لأيكما جعلت الحال، وكذلك رأيت راكبةً هنداً.
فإن قلت: هذا ابن عمي دنيا، وهذه الدراهم وزن سبعة، وهذا الثوب نسج اليمن، وهذا الدرهم ضرب الأمير نصبت ذلك كله، وليس نصبه على الحال. لو كان كذلك لامتنع قولك: نسج اليمن، وضرب الأمير؛ لأن المعرفة لا تكون حالاً. ولكنها مصادر على قولك: ضرب ضرباً، ونسج نسجاً. وكذلك إن كان الذي قبله نكرة قلت: هذا درهم وزن سبعة، وهذا ثوب نسج اليمن، وهذا درهم ضرب الأمير.
وإن شئت رفعت فقلت: هذا درهم وزن سبعة، وهذا درهم ضرب الأمير، فنعته بالمصدر؛ لأن المصدر مفعول، فكأنك قلت: هذا درهم مضروب للأمير؛ وهذا ثوب منسوج باليمن.
فإن قلت: هذا درهم ضرب الأمير لم يجز أن يكون نعتاً، لأن النكرة لا تنعت بالمعرفة ولكن بينت. كأنك جعلته جواباً. لما قلت: هذا ثوب، وهذا درهم قيل: ما هو؟ فقلت: ضرب الأمير على الابتداء والخبر.
وعلى هذا تقول: مررت برجل زيد. وقال: " بشر من ذلكم النار " وقرئت الآية على وجهين " في أربعة أيام سواءً للسائلين " على المصدر فكأنه قال: استواءً. وقرأ بعضهم " أربعة أيام سواء " على معنى مستويات، وقال جل وعز: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً " فالمعنى والله أعلم غائراً، فوضع المصدر موضع الاسم. وقالت الخنساء:
ترتع ما عقلت حتى إذا ادكرت … فإنما هي إقبال وإدبار
فالمصدر في كل هذا في موضع الاسم. وقال لقيط بن زرارة:
شتان هذا، والعناق والنوم … والمشرب البارد، والظل الدوم
يريد: الدائم.
فأما قولهم: هو عربي محضاً، وهو صميم قلباً، وهو عربي حسبةً، وهو شريف جداً فإنها مصادر مؤكدة لما قبلها. والأجود: هو عربي محض، وعربي قلب؛ لأن هذه أسماء وإن كانت تكون على هذا اللفظ مصادر، لأن المصدر ينعت به، والاسم لا يكون إلا نعتاً من هذا الضرب، إلا أن تجعله حالاً للنكرة. وأما هو أعرابي قح فلا يكون إلا رفعاً؛ لأنه ليس بمصدر.
فإذا قلت: هو عربي حسبةً فمعناه: اكتفاءً. يقال: أعطاني فأحسبني، أي كفاني. قال الله عز وجل: " عطاءً حساباً " ، أي كافياً.
هذا باب
تبيين الحال في العوامل
التي في معنى الأفعال، وليست بأفعال، وما يمتنع من أن تجري معه الحال
تقول: هذا لك كافياً، فتنصب الحال، لما في الكلام من معنى الفعل لأن معنى لك معنى تملكه.
فإن أردت أن تلغى لك قلت: هذا لك كاف يا فتى، تريد: هذا كاف لك، فتجعل كافياً خبر الابتداء، وتجعل لك ظرفاً للكفاية.
والآية تقرأ على وجهين: " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " وخالصة على ما ذكرنا. وتقول: هذا عبد الله قائماً، فتنصب قائماً لأن قولك ها للتنبيه فالمعنى: انتبه له قائماً. وقال الله عز وجل " هذه ناقة الله لكم آية " و " وهذا بعلي شيخاً " فإن قلت: هذا زيد قائم صلح من أربعة أوجه: منها أنك لما قلت: هذا زيد استغنى الكلام بالابتداء وخبره، فجعلت قولك قائم خبر ابتداء محذوف. كأنك قلت: هو قائم، أو هذا قائم. فهذا وجه.
ويجوز أن تجعل زيداً بدلاً من هذا، أو تبييناً له، فيصير المعنى: زيد قائم. ويجوز أن تجعل زيداً، وقائماً كليهما الخبر، فتخبر بأنه قد جمع ذا وذا، كما تقول: هذا حلو حامض. تخبر أنه قد جمع الطعمين، ولا تريد أن تنقض الحلاوة بالحموضة. فهذه أربعة أوجه في الرفع.
تقول: زيد في الدار قائماً. إذا جعلت في الدار الخبر فمعناه استقر.
فإن قلت: زيد أبوك قائم. فلا معنى لنصب قائم إذا أردت بأبيك النسب، لأنه ليس ها هنا فعل، ولا معنى فعل، فلست تخبر أنه أبوك في حال دون حال.
فإن أردت معنى التبني جاز النصب فقلت: زيد أبوك قائماً، أي يتبناك في هذه الحال، ولا تبال بأيهما كان القيام.
والمسألة الأولى تقول فيها: زيد أبوك قائم. تجعل الأب نعتاً لزيد، أو بدلاً منه. وكذلك أخوك إذا أردت النسب كان كالأب. وإن أردت الصداقة دخل معنى الفعل، وصلح النصب.
وإن جعلت الأخ نعتاً، أو بدلاً كان الرفع في قائم لا غير. فعلى هذا وما أشبهه تصلح الحال، وتمتنع.
هذا باب
ما كانت الحال فيه مؤكدة لما قبلها