المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

ما كان من أسماء الأوقات غير متصرف

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

تجانف عن جل اليمامة ناقتي … وما قصدت من أهله لسوائكا

وقال آخر:

ولا ينطق الفحشاء من كان منهم … إذا جلسوا منا، ولا من سوائنا

وإنما اضطر، فحملها على معناها؛ كما أن الشاعر حيث اضطر إلى الكاف التي للتشبيه أن يجعلها اسماً أجراها مجرى مثل؛ لأن المعنى واحد؛ نحو قولك: زيد كعمرو، إنما معناه: مثل عمرو. فلما اضطر قال:

وصاليات ككما يؤثفين

يريد: كمثل ما. وقال آخر:

فصيروا مثل كعصف مأكول

وأما قوله:

وأنت مكانك من وائل … مكان القراد من است الجمل

فإنه لم يجعل أحدهما ظرفاً للآخر، وإنما شبه مكاناً بمكان، كقولك: مكانك مثل مكان زيد. وتقول: آتيك يوم الجمعة غدوة. نصبت يوم الجمعة؛ لأنه ظرف، ونصبت غدوة على البدل؛ لأنك أردت أن تعرفه في أي وقت؛ كما تقول: ضربت زيداً رأسه. أردت أن تبين موضع الضرب.

وتقول: سير بزيد يوم الجمعة غدوة، على البدل. وإن شئت نصبت اليوم فجعلته ظرفاً لقولك غدوة، لأن الغداة في اليوم. وإن شئت رفعت اليوم، فأقمته مقام الفاعل، ثم أضمرت فعلاً، فنصبت به غدوة؛ لأن المعنى على ذلك. فلما قام الأول مقام الفاعل كان التقدير: ساروا غدوةً يا فتى.

فأما قولهم: الليلة الهلال، ولا يجوز الليلة زيد؛ لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث، وإنما استقام هذا؛ لأن فيه معنى الحدوث. إنما يريد: الليلة يحدث الهلال. فللمعنى صلح.

ولو قلت: الليلة الهلال كان جيداً. تريد: الليلة ليلة الهلال، فلما حذفت ليلة أقمت الهلال مقامها. مثل قول الله عز وجل: " واسأل القرية " . تريد أهل القرية. وكذلك زيد عمرو وأردت مثل عمرو، فلما حذفت مثلا قام عمرو مقامه.

هذا باب

من الإخبار

نبين ما يستعمل من هذه الظروف أسماءً، وما لا يكون إلا ظرفاً لقلة تصرفه

ونبدأ قبل ذلك بشيء عن الإخبار عن الأسماء غير الظروف؛ لتستدل بذلك على الظروف إذا وردت عليك إن شاء الله.

تقول: قام زيد. فإن قيل لك: أخبر عن زيد فإنما يقال لك: اجعل زيداً خبراً، واجعل هذا الفعل في صلة الاسم الذي زيد خبره. فإن خبرت عنه ب الذي قلت: الذي قام زيد.

وإن أخبرت عنه بالألف، واللام اللتين في معنى الذي قلت: القائم زيد. فإن قلت: ضرب زيد عمراً، فأخبرت عن زيد قلت: الذي ضرب عمراً زيد. جعلت في ضرب ضميراً في موضع زيد فاعلاً، وجعلت زيداً خبر الابتداء.

وإن قلته بالألف واللام فكذلك تقول: الضارب عمراً زيد.

وإن قيل لك: أخبر عن عمرو قلت: الضاربه زيد، عمرو جعلت الهاء المنصوبة في موضع عمرو، وجعلت عمراً خبر الابتداء، لأنك عنه تخبر. والظروف تجري هذا المجرى.

تقول: القتال يوم الجمعة. فإن أخبرت عن القتال وضعت مكانه ضميراً يكون يوم الجمعة ظرفاً له، وجعلته خبر الابتداء، ولا يكون بالذي؛ لأن الألف واللام إنما تلحقان الفعل؛ لأنك تبني من الفعل فاعلاً، ثم تدخلهما عليه.

وذلك قولك: الذي هو يوم الجمعة القتال. كان القتال ابتداء، فجعلت هو في موضعه. فإن أخبرت عن يوم الجمعة قلت: الذي القتال فيه يوم الجمعة، تكنى عن يوم الجمعة إذا كان ظرفاً بقولك فيه.

وكذلك إذا قلت: زيد خلفك، فقيل له: أخبر عن الخلف قلت: الذي فيه زيد خلفك، والذي فيه زيد أمامك.

ومن جعله مفعولاً على السعة قال: يوم الجمعة صمته، وخلفك قمته، تريد فيه أجراه مجرى زيد وعمرو، فقال في قوله: قمت يوم الجمعة إذا أخبر عن اليوم: القائمه أنا يوم الجمعة، والجالسه أنا خلفك.

هذا لما كان منها متصرفاً. فأما ما لا يتصرف فنحو: عند، وسوى، وذات مرة، وبعيدات بين، وسحر، وبكرا إذا أردت سحر يومك، وبكرة، وعشية، وعتمة، وصباح مساء فلا يجوز الإخبار عن شيء منها، لأنك إذا جعلت شيئاً منها خبر ابتداء، أردت أن ترفعه، والرفع فيها محال؛ لأنها لا تكون أسماء غير ظروف لأنك تقول: مكان واسع، ولا تقول: عندك. واسع، ولا: ذات مرة خير من مرتين؛ لفساد ذلك في المعنى.

ولو قيل لك: أخبر عن عند في قولك: جلست عندك لقلت: الجالس فيه أنا عندك، وهذا لا يجوز لما ذكرت لك في صدر الكتاب.

هذا باب

ما كان من أسماء الأوقات غير متصرف

نحو: سحر إذا أردت به سحر يومك، وبكرا وما كان مثلهما في قلة التمكن

٢٧٤ / ٢٨٤