واجتزئ بعلم المخاطب
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤ويكون بدلاً فكأنه قال: صراط غير المغضوب عليهم، ويكون نصباً على استثناء ليس من الأول، وهو: جاءني الصالحون إلا الطالحين.
هذا باب
تكرير الاستثناء بغير عطف
تقول: ما جاءني أحد إلا زيد إلا عمراً. وإن شئت قلت: إلا زيداً إلا عمرو. فالمعنى فيهما جميعاً واحد، وإن اختلف الإعراب؛ لأنك إذا شغلت الفعل بأحدهما انتصب الآخر بالاستثناء ولم يصلح البدل؛ لأن المرفوع منهما موجب.
وتقول: ما جاءني إلا زيداً إلا عمراً أحد؛ لأن التقدير: ما جاءني إلا زيداً أحد إلا عمرو فلما قدمت عمراً صار كقولك: ما جاءني إلا عمراً أحد؛ لأنك لو أخرته كان الوجه: ما جاءني أحد إلا عمرو وتقول: ما جاءني إلا زيداً غير عمرو أحد، لأن غير عمرو بمنزلة قولك إلا عمراً. ومن ذلك قوله:
فمالي إلا الله لا شيء غيره … ومالي إلا الله غيرك ناصر
كأنه قال: إلا إياك.
وهذا البيت ينشد على غير وجه، وهو قول الشاعر:
ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلا دار مروانا
تجعل غير نعتاً. يخبر أنها غير واحدة بل هي أدؤر، ودار الخليفة تبيين وتكرير، وإلا دار مروان بدل، وإن شئت جعلت دار مروان منصوبة بالاستثناء، على قولك: ما جاءني أحد إلا زيداً.
وإن شئت قلت: ما لمدينة دار غير واحدة إلا دار مروان، فتنصب غيراً لأنه استثناء، وإن شئت رفعت غيراً، ونصبت دار مروان، أيهما شئت جعلته بدلاً ونصبت الآخر.
هذا باب
الجمع بين إلا وغير، والحمل على المعنى إن شئت
تقول: ما جاءني غير زيد وإلا عمرو، لأن التقدير: ما يفسر في موضعه إن شاء الله.
وأما عدا، وخلا فهما فعلان ينتصب ما بعدهما، وذلك قولك: جاءني القوم عدا زيد؛ لأنه لما قال: جاء القوم وقع عند السامع أن بعضهم زيداً، فقال: عدا زيداً، أي جاوز بعضهم زيداً. فهذا تقديره، إلا أن عدا فيها معنى الاستثناء، وكذلك خلا. فمعنى عدا: جاوز، من قولك: لا يعدونك هذا، أي لا يجاوزونك.
وخلا من قولهم: خلا يخلو. وقد تكون خلا حرف خفض. فتقول: جاءني القوم خلا زيد، مثل سوى زيد. فإن قلت: فكيف يكون حرف خفض، وفعلاً على لفظ واحد؟ فإن ذلك كثير، منه حاشا وقد مضى تفسيرها.
ومثل ذلك على: تكون حرف خفض على حد قولك: على زيد درهم، وتكون فعلاً نحو قولك: علا زيد الدابة، وعلى زيد ثوب، وعلا زيداً ثوب، والمعنى قريب.
فإذا قلت: ما عدا، وما خلا لم يكن إلا النصب؛ وذاك لأن ما اسم فلا توصل إلا بالفعل، نحو: بلغني ما صنعت، أي صنيعك إذا أردت بها المصدر فصلتها الفعل لا غير، وكأنه قال مجاوزتهم زيداً، إلا أن في عدا وخلا معنى الاستثناء.
هذا باب
الاستثناء بليس ولا يكون
اعلم أنهما لا يكونان استثناء إلا وفيهما ضمير كما وصفت لك في عدا وخلا، وذلك قولك: جاءني القوم لا يكون زيداً، وجاءني القوم ليس زيداً. كأنه قال: ليس بعضهم ولا يكون بعضهم.
وكذلك أتاني النساء لا يكون فلانةً، يريد لا يكون بعضهن إلا أن هذا في معنى الاستثناء وإن جعلته وصفاً فجيد. وكان الجرمي يختاره، وهو قولك: أتاني القوم ليسوا إخوتك، وأتتني امرأة لا تكون فلانة.
هذا باب
ما حذف من المستثنى تخفيفا
واجتزئ بعلم المخاطب
وذلك قولك: عندي درهم ليس غير، أردت: ليس غير ذلك، فحذفت وضممت؛ كما ضممت قبل وبعد؛ لأنه غاية.