الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
الجزء ١ · صفحة ٦٤دراسة علمية.
وكان القطب عصامياً في تعلمه بدون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكُّن، ففقه مسائلها وأدرك أسرارها. ولقد استفاد القطب أيما إفادة من الكتب التي حملها أخوه معه من رحلاته، وبخاصة كتب أعلام المذهب في عُمان فكانت هي الأخرى مُعلما آخر نهل منه القطب معارفه بعد وفاة أخيه إبراهيم، وكانت وسيلة اطلع من خلالها القطب على الفكر المشرقي، ورسمت المعالم الأولى لعلاقة متجذِّرة بين القطب وأهل عُمان ظلت راسخة حتى وفاته.
وقد كان من بين الرحالة إلى عمان من وادي ميزاب، والمترددين عليها كثيرا في عصر القطب اطفيش أحمد بن الحاج أحمد بن عمر النوري الإباضي (ق: 13هـ / 19م)، من أعيان بنورة بميزاب. متضلِّع في مسائل الخلاف من علم الكلام والفقه. رحل إلى عُمان، ومكث بها عامين يطلب العلم. ثم عاد إلى مسقط رأسه، وتولَّى مشيخة عزَّابتها أربعين عاما.
كان كما قدَّمنا كثير التردُّد على عُمان، فكان وسيطا في مراسلات قطب الأيمة الشيخ اطفيش مع أهل عمان وعلمائها، ولكثرة ما حمل من رسائل وكتب إلى ميزاب أو منه إلى عمان فإنه كان يلقَّب بـ «صاحب عُمان»(1).
من خلال تتبعنا لعلاقة بعض مشايخ القطب ومعاصريه مع أهل عُمان، فإننا بإمكاننا أن نجيب عن سؤال محوري في هذه الدراسة: ما الذي حال دون القطب ودون زيارته لعمان طلبا للعلم، واتصالا بالأئمة هناك؟
إن الجو العلمي أو الوعاء الحضاري الذي وجد القطب نفسه ترتع فيه، والرعاية التي أولاها إياه أخوه الأكبر إبراهيم، وخزائن الكتب الثمينة التي انفتحت بين يديه من آثار المغاربة والمشارقة وتحفهم، لهي عوامل قوية أقعدت القطب عن الترحال مشرقا ومغربا، فكان منشغلا بما بين يديه، وبما يصله من مؤلفات المشارقة وأجوبتهم، وكان يعوِّل كثيرا على مراسلة العمانيين خاصة؛ يمدهم بمؤلفاته ويطلب منهم ما عندهم من المصادر، وكان الحجَّاج الميزابيون واسطة بينه وبين العمانيين وأهل زنجبار، وكانت رحلتاه إلى الحجاز فرصتين مهمتين اقتنى فيهما عددا لا بأس به من الكتب من مكة والمدينة ومصر وغيرها من الحواضر(2).
على أن القطب وقبل أن يشتد عوده قد استساغ حلاوة العلم، فشمر عن ساعديه واعتمد على نفسه في طلبه، فأقبل على هذه الرياض المشرقية والمغربية يلتهم المعرفة من بطونها، فكان لا يسمع بخزانة حافلة إلا ويتخذ كل الوسائل للاطلاع عليها فيستعير
(1) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية». مج1. رقم الترجمة: 068. وانظر بوحجام: «التواصل الثقافي»، ص:44.
(2) - وينتن، مصطفى بن الناصر: «آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية». نشر جمعية التراث. القرارة، الجزائر. ط1، 1417هـ / 1996م، ص:48.