الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٦٦

كريمة معلمه الشيخ محمد بن عيسى ازبار بعد وفاته إكراما لشيخه وإكبارًا، ولربط الصلات الحسنة الوثيقة بأسرته، وليطلع على خزانة صهره الحافلة وينتفع بها(1).

وما كاد يبلغ السادسة عشرة، حَتى جلس للتدريس والتأليف، وَلَما بلغ العشرين أصبح عالِمَ وادي ميزاب، ثمَّ بلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كِتَابه: «شامل الأصل والفرع».

أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، فكان يدرس بالنهار والمساء ويخصِّص اللَّيل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه؛ وكان غزير المادَّة، طويل النفَس، متفانيا في العلم، يدرِّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم الواحد.

تخرَّج على يد القطب علماء ومصلحون ومجاهدون، انبثُّوا في أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ، وبلغ عدد تلاميذه العشرات، من أشهرهم: إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم اطفيَّش، أبو إسحاق: نزيل القاهرة العالم المحقِّق (و:1305هـ/1886م-ت:1385هـ/1965م). وإبراهيم بن عيسى الأبريكي (و:1273هـ/1857م-ت:1329هـ/1911م)، وإبراهيم بن عيسى أبو اليقظان: رائد الصحافة العَرَبِيَّة في الجزائر (و:1306 هـ/1888م-ت:1393 هـ/1973م)، وصالح بن عمر بن داود لعلي (و:1287هـ/1870م-ت:1347هـ/1928م). وصالح بن يحيى بن سليمان آل الشيخ (ت:1367هـ/1948م) الوطني الغيور ومن المؤسسين للحزب الدستوري التونسي، والمجاهد الليبي سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني باشا (و:1287هـ/1870م-ت:1359هـ/1940م)، والمؤرخ التونسي سعيد بن علي الصدغياني الجربي، ابن تعاريت (و:1289هـ/1872م-ت:1355هـ/1936م)، أحمد الرفاعي من المدينة المنورة … وغيرهم كثير ممن بلغ المشيخة.

إن من أهمِّ آثار الشيخ اطفيَّش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كما ونوعا، فقد عدَّها بَعضهم وقال: إِنهَا تبلغ الثلاثمائة مؤلَّف، ما بين كِتَاب ورسالة، لا يتسع المجال لعدها أو حصرها. واتسع له العمر، ليترك هذا التراث الجليل، فقد عمِّر سِتَّة وتسعين عاما، وكان حريصا على الكِتَابة، لا يتركها في حضر ولا سفر، وصفه تلميذه أبو اليقظان بِأنَّهُ «لا يُعرف إِلاَّ في تدريس علم، أو تأليف كتب»، فألَّف في بني يسجن، والقرارة، ووارجلان، وبريان، والحجاز، وَفي السفينة قاصدا الحجَّ.

ولم يقصر الشيخ جهوده في مجال التعليم والتأليف فحسب، بل اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعيِّ، ومحاربة الجهل والبدع، وَتولَّى رئاسة مجلس العَزَّابة ببني يسجن. كما تولَّى منصب

(1) - دبوز: «نهضة الجزائر الحديثة». ج1. ص: 305.

١٥ / ٣٠