بناء المخ القوي لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٦١ولقد ثبت عند الباحثين النفسانيّين والاجتماعيّين أنّ للخبرات المبكّرة للأطفال آثار بعيدة المدى، وأنّ ذاكرتهم لا تزال في طور التكوّن والتشكّل، وذلك من خلال كثير من الدراسات والبحوث التي تناولت برامج علاجيّة لمراهقين وراشدين، حيث اتّضح لديهم بأنّ معظم اضطرابات الأطفال النفسيّة الانفعاليّة ومشكلات السلوك الناتجة عن عدم التكيّف الذي يعانون منه ترجع إلى خبرات مكتسبة خلال مرحلة الطفولة المبكّرة، حيث تكتسب هذه الخبرات المبكّرة بما يسمّى بالأثر النائم Sleeping effect الذي يظهر في مراحل لاحقة من حياة الفرد.
الأمّ والولد مسيرة حياة
إنّ بعض الأمّهات رائعات من حيث التكوين والاستعداد لاستقبال أولادهنّ، وما ذلك إلاّ لأنّهن قد تعلّمن الكثير ممّا يخصّ التربيّة الصحيحة للولد، بل حتّى فيما يخصّ الجنين، فتتحوّل الأمومة عندهنّ إلى هدف هام وراق، يؤدّين من أجله كلّ ما في استطاعتهنّ من جهود، فتصبح لديهن متعةً وسروراً، لأنّهن يعتقدن بأنّها واجب مقدّس يجب عليهن أن يؤدّينه بكلّ يقين ورضا.
وهناك من النساء من تتحوّل لديهن الأمومة إلى نوع من العذاب، يمتدّ من ذواتهنّ إلى أولادهن بواسطة المعاملة التي يعاملنهم بها، فتثمر نفوساً مشوّهةً ترى الحياة على أنّها عبارة عن تعب ومشّقة وعذاب.
لا أحد يشكّ بأنّ الأمّ هي الشخص الأقرب إلى الولد، والذي يتعرّف إليه ذلك المولود الجديد من عدّة نواحي، الناحية الغذائيّة والنفسيّة والعقليّة وكثير من الاهتمامات التي ينشأ الولد وهو يتعرّف عليها شيئاً فشيئاً.
واهتمامات الأمومة متعدّدة، منها اهتمام تغذيّة، وهدهدة وخاصّة عند ذهاب الولد إلى النوم، وهذه كلّها تشكلّ اتّصالات تعمّق معرفة الاثنين لبعضهما، ممّا يجعل الولد يعبّر عن مشاعره المتنوّعة، وبشكل فطري، وعبر سلوكات ظاهريّة، لا يدرك معناها سوى الأمّ المرافقة له في طريق نموّه منذ ولادته.