بناء المخ القوي لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٧٩لقد قام الخبراء بتجارب على فئران صغيرة تمّ فطامها بعد ثلاثة أسابيع من ولادتها، وتمّ تعريضها للجوع لفترة زمنيّة قصيرة، فإذا بخلايا أدمغتها تتقلّص بشكل حادّ، وقد أطعمها العلماء بعدها وجبات مكثّفة لفترة طويلة، تحتوي على كلّ المواد الغذائيّة والفيتامينات والأملاح، وتحت إشراف علمي وطبّي متواصل ومكثّف، لكن وجدوا أنّ الوقت لم يكن في صالحها، لأنّ أجسامها لم تستطع تجاوز الخطر، وبقيت مخاها أصغر حجما ممّا كان من قبل، ولم تستطع تجاوز منطقة الخطر.
لقد استنتج الخبراء من هذه التجربة وغيرها أنّ المخّ هو أكثر أجزاء جسم الكائن الحيّ تأثّراً بالجوع، أو الحرمان.
والشيء الخطير الذي توصّل إليه العلماء وأثبتوه بما لا يدع مجالاً للشكّ هو أنّ الخلل ليس في حجم المخّ فقط، بقدر ما هو في سوء توزيع الخلايا العصبيّة في منطقة حسّاسة منه.
والشيء الأخطر من كلّ ذلك هو ما توصّل إليه علماء من المكسيك وبعض دول أمريكا اللاتينيّة من أنّ الخطر لا يتوقّف لدى ذلك الجيل الأوّل الذي نشأ في حالة من الجوع، وقدرته على حلّ مشكلات حياته اليوميّة، إذ أنّ أثر الجوع يختفي فجأة، وكأنّه لم يحدث جوع ولا حرمان، لكن بعد أن تابع العلماء دراستهم على أبناء وأحفاد ذلك الجيل الذي نشأ في حالة من الجوع وجدوا فيه هو كذلك حالةً من الهبوط الحادّ في نسبة ذكائهم، رغم إمدادهم بوجبات صحيّة متكاملة من حيث العناصر الأساسيّة، ممّا دفع علماء أكاديميّة الغذاء والتغذيّة في تشيكوسلوفاكيا فور اطلاّعهم على بحوث أقرانهم بأمريكا اللاتينيّة إلى محاولة فهم المؤثّرات المباشرة للجوع على الجيل الصاعد وآثارها اللاحقة في إطار دراسة تعتبر من أعظم وأروع الدراسات التي جرت في الدول الشرقيّة عن آثار الجوع والحرمان.