الجرح والتعديل: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١١٠

هناك قضايا درست في وقت مبكر قبل تدوين الأحاديث، وكانت للفقهاء في وقتها وجهات نظر معينة، ومع التداخل والتثاقف بين المدارس الإسلامية المختلفة بدأت تظهر تساؤلات مفادها: هل أولئك الفقهاء كانوا على عدم علم بالأدلة (=والأدلة هنا بطبيعة الحال هي الأدلة الروائية)؟ أم أن لهم منهجاً يعبر عن ذاتيتهم وكينونتهم الخاصة؟

والباحثون وقفوا حيالها موقفين متباينين:

- موقف يرى بالفعل أنهم لم يطلعوا على السنة في ذلك، وأصحاب هذا الرأي يدللون على رأيهم هذا بالآيات والأحاديث في وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرأي له وجاهته واعتباره وله أنصاره ومؤيدوه.

- وموقف يرى أن هناك موقفاً يتمثل بالموضوعية وظروف الرواية وموضعها في البنية الكلية للتشريع.

الرأي الأول كتبت حوله دراسات ورسائل كثيرة، لكن الرأي الثاني لم يكتب فيه إلا القليل، ومحاولة فهم مناهج العلماء ليس بالأمر السهل، إذ العملية تتطلب استقراء دقيقاً لما وصلنا من تراث أولئك الأئمة، كما يتطلب إلماماً بأدلة الشريعة.

وسنحاول إن شاء الله تعالى أن نقدم فهماً لتراث الأئمة الأوائل، ونناقش وجهات النظر المختلفة في ذلك.

المثال الأول: حديث تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير

ورد عن كثير من العلماء المتقدمين من أمثال أبي عبيدة مسلم ومالك بن أنس وغيرهم القول بكراهة أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، وروي كذلك عن الصحابي الجليل ابن عباس إنكار الروايات الواردة في ذلك.

والإشكال يكمن في أن أبا عبيدة مسلم مثلاً قد روى الحديث من طريقه: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام)، فهل يعقل أن أبا عبيدة لم يطلع على الحديث مع أنه قد رواه؟ وهل يمكن أن يكون قد ذهل عنه؟.

١١٠ / ١١٧