الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ١١١قد يكون هذا الاحتمال وارداً، وقد يكون الأمر عدم اعتبار الرواية دليلاً مستقلاً في ذاته على التحريم:
1. فالمحرمات المطعومة بأعيانها وردت في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، ومما يظهر أن أصول المحرمات المطعومة محصورة في هذه الآية الكريمة، فتحريم الخمر مثلاُ لأنه (رجس من عمل الشيطان) والرجس محرم بنص هذه الآية، والموقوذة والمتردية والنطيحة من أصناف الميتة، والميتة محرمة بنص هذه الآية، فلم يخرج شيء من المحرمات المطعومة الأخرى التي ذكرها الكتاب العزيز عن مدلولات هذه الآية.
2. ونظروا إلى أن الخبر إذا جاء آحاداً ينبغي أن يحمل على هذه الكليات، فابن عباس مثلاً رأى إنكار ما يروى من تحريم الحمر الأهلية واستدل بالآية الكريمة، وكذا روي عن السيدة عائشة وابن عمر، وعدوها من وقائع الأحوال، فقالوا بكراهتها على أكثر تقدير.
3. ومن ذلك ما يروى من تحريم الحمر الأهلية، فقد ورد في الروايات الأخرى التي بينت إجمال الروايات التي ورد فيها لفظ التحريم أو فهم منها ذلك أن المنع كان لأجل علة عارضة، فقد روى مسلم من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم.
وعند مسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال:لا أدري؛ إنما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم)، فابن عباس يرى أن منع الناس من أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كان لأجل المحافظة على الدواب التي يركب عليها، والروايات المفسرة دالة على ذلك.