الجرح والتعديل: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٨٨

يقول أبو المؤرج: (ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ ومنسوخ، والقرآن قد نسخ بعضه بعضاً، وقد فعل النبي عليه الصلاة والسلام أشياء مثل هذا ورجع عنها، وقد فعل أصحابه مثل ذلك أشياء كثيرة ثم رجعوا عنها، وقد قال السلف من أئمة المسلمين أقاويل كثيرة ثم رجعوا عن ذلك، وقالوا بغير أقاويلهم ثم رجعوا إلى بعض أقاويلهم وذلك كله اختلاف منهم في الرأي، ولم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه، إلا اختلافهم في الرأي)[19]، والرأي الذي عناه أبو المؤرج تدخل فيه مرويات الآحاد (=خبر الخاصة) عاملاً من عوامل توليده كما هو الظاهر من مداولاتهم الفقهية في المدونة وغيرها من مصنفاتهم الفقهية، فلم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه.

وتظهر هذه المعاني في هذه المداولة الفقهية بين ابن عبدالعزيز وأبي غانم الخراساني في العمرى والرقبى

(قلت: أخبرني عن العمرى والرقبى والسكنى.

قال ابن عبدالعزيز: إن كان معنى العمرى والرقبى والسكنى من العمر، أن يقول الرجل قد عمرتك هذه الدار حياتك فهي لك عمرا ولك رقبا ولك سكنا على إنها لحياتك.

قال أبو عبيدة رفع الحديث إلى جابر بن زيد إلى ابن عباس أنه قال: من عمر شيئاً حياته فهو له حياته ولورثته من بعد مماته.

قال ابن عبدالعزيز: وكان غيره من الفقهاء لا يجيز ذلك ولا يراه لورثته من بعده، وكان إبراهيم ممن لا يجيز ذلك، ويقول في العمرى إذا مات الذي عمرها فهي راجعة إلا أن يقول هي لك ولعقبك، وقول إبراهيم أعدل عندي.

قلت: رأيتك تأخذ بقول إبراهيم في كثير من المسائل وتختار قوله على قول من هو أكبر منه وأفضل.

قال: ومن هو؟

قلت: أبو عبيدة.

قال: الانصاف في الحق قبول الحق ممن جاء به، والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولا خلل ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف.

قلت: وأي قوة أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا حيث قالوا: من عمر أرضاً فهي له ولعقبه من بعده.

٨٨ / ١١٧