صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٢وإذا جاز الخروج لم يُبَح الاستعراض والقتل. بل لا يُتعرَّض إلاَّ لجند السلطان، ومن يَبسط به ظلمه على الناس.
ويلخِّص الوارجلانى اجتهاد الإباضية في القضية بأنَّ «رأينا هو الصواب إن شاء الله، وذلك أنّا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحدا من الرعايا والمسافرين والتجار والحرَّاثين وغيرهم، إلاَّ الملوك الظلمة الجورة. وندعوهم إلى ترك ما به ضلُّوا. ولا نعترض على العامَّة إلاَّ جنودهم. وإنهم وجنودهم بمثابة واحدة. وأجزنا الخروج عليهم، والكون معهم. فإن خرجنا عليهم وقاتلناهم حتى نُزيل ظلمهم على العباد والبلاد. وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم. فجائز لنا ذلك. ونعيش في كنفهم حرَّاثين فدَّادين، حتى نلقى الله بسوء حال»[39].
ولا يجوز للمسلمين أن يثوروا على السلطان الجائر، وإن كانوا في عدد وقوة، حتى يعقدوا لإمامٍ يقوم بهم. موثوق به في صلاحه، وورعه، وفقهه، وعقله، وعلمه بالكتاب والسنة فيما يحكم ويقسم بينهم. فإن لم يفعلوا فحرام عليهم البسط على أهل خلافهم بغير إمام يَدْعَم أمرهم ويدفعون به عن أنفسهم[40].
وأحكام الشراة مثل أحكام أهل الكتمان، غير أنهم يُصلُّون في أوطانهم سَفَرا، وإذا خرجوا من أوطانهم صلُّوا حضرا. فموطن الشاري سيفه، ولم يأت في هذا أثر في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو رأي واجتهاد[41].
أحكام الكتمان:
إذا تغلَّب الجورة ولم يمكن إقامة إمامة الظهور، ولم يشأ المسلمون منابذة الظالمين، جاز لهم البقاء تحت حكمه، وصاروا في حال الكتمان. فَيُوَلُّون أمورهم حاكما محتسبا يقوم بمصالحهم، ويتقي الله في خاصة نفسه، ويسير فيهم بالعدل والحق[42].
ويقرر الوارجلاني أنَّ أصل أحكام الكتمان كان اجتهادا وقياسا على كتمان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جرى عليه قبل الهجرة، فجعله المسلمون من مسالك الدين. فمن حرَّمه أخطأ، ومن حكم فيه بأحكام الظهور أخطأ[43].