صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٣وتختلف أحكام الكتمان عن أحكام الظهور، إذ تتعطَّل الحدود ويلجأ إمام الكتمان إلى الأدب والتعزير والنكال. إلاَّ قتل المرتدِّ فإنَّه سائغ في الظهور والكتمان.
وقد يلجؤون إلى قتل الطاعن في الدين ومانع الحق والجناة، بالسوط لا بالحديد، من باب الرأي والاجتهاد[44].
كما أبطلوا ولاية البيضة - وهي ولاية الإمام وبطانته - واكتفوا بولاية الأشخاص، لعدم وجود الإمام الحقيقي في الكتمان. ولم يأخذوا الجزية عن أهل الذمة، ولم يقطعوا بعصيان من يأخذها. وأثبتوا جميع أحكام الولاة الفجرة، إذا سوَّغتها الشريعة ولم تصادم نصوصها. وأجازوا الصلاة وراءهم إذا أقاموها.
ومنعوا من تولية جلِّ أمورهم، للشبهة في أموالهم وأعمالهم. ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بجرة قلم»[45].[46].
أمَّا الزكاة التي تُدفع إليهم، فقد اختلف فيها: فبعض سوّغها، وبعض ألزم صاحبها إخراجها ثانية، وعدم الاعتداد بما دُفع منها للحكام الظلمة[47].
وقال الشيخ اطفيش: «ويقيم المسلمون أعلمهم وأورعهم في الكتمان، يستندون إليه، ويعطونه إياها ويبرؤون. فيفرقها … وهو أنسب بقول من قال يجوز في الكتمان ما قدر عليه من أحكام الظهور»[48].
بل ذهب بعض المجتهدين إلى أنَّه لو غصب الإمام الظالم زكاة إنسان، لم يكن ذلك مجزيا له عن أدائها. حتى يؤديها إلى أئمة العدل. أو إلى فقراء المسلمين[49].
قال الوارجلاني: «ومن الرأي الكون مع أئمة الجور، تحت أحكامهم ما أقاموا حكم الله فيك، ولم يحكمك على معصية، وتودية [تأدية] حقوق الله عليه إليهم. وأخذ العطايا من بيوت أموالهم، والجهاد معهم، والغزو معهم جميع ملل الشرك. والخروج عليهم إذا جاروا وبَغَوْا»[50].