الإعجازالعلمي في القرآن الكريم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦ولأجل ذلك؛ فإنه ليس من العجيب في معرض إقامة الحجة على هذا الإنسان أن يتعرض القرآن الكريم لأمور خفية مما هو في سر طبيعة الإنسان أو في سر طبيعة الكون مما لم يكن بادياً لعقول الناس في وقت نزول القرآن الكريم، كيف؛ وهذا الكتاب الكريم نفسه أنزله الله سبحانه وتعالى مسايراً للحياة البشرية في أطوارها منذ نزوله وإلى أن يرث الكون، وليست هذه المسايرة في التخلي عن الشرائع التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليهم، ولكنه يساير أطوار البشر في عقول الناس واستيعابهم للحقائق الكونية البادية والخفية، فتجد الآية الواحدة من كتاب الله سبحانه وتعالى يفهمها التالي أو السامع في عصر من العصور، بحسب مقاييس ذلك العصر والمفاهيم الشائعة فيما يتعلق بطبيعة الكون، ثم تتطور الأحوال وتتكشف أمور لم تكن متكشفة من قبل، وإذا بهذه الآية نفسها يتلوها التالي أو يسمعها السامع ويجدها مرة أخرى أيضاً مفهومة عنده بحسب المقاييس الفكرية الموجودة في وقته، وبحسب التطور العلمي في زمنه، وهذا عائد إلى سعة البيان الرباني التي تشمل جميع العصور مع تطوراتها المختلفة، مع أن البيان البشري كلما كان أبلغ كان أكثر نصية على موضوعه، بحيث إذا تطورت الأفكار واختلفت تناقض ذلك البيان مع ما فهم في عصر آخر، فالبيان البشري الذي وجه إلى مجتمع بشري كلما كان أبلغ كان ذلك المجتمع البشري السامع لذلك الكلام أكثر ما يكون إدراكاً لنصية ذلك البيان، فإذا اختلفت المقاييس تصادمت مع البيان البشري؛ بخلاف البيان الإلهي.