فتاوى الشيخ سعيد القنوبي (الجزء 1)
الجزء ٢ · صفحة ٧٧وما جاء في بعضِ الروايات أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَّ زكاةَ الفطْر ليس معناه بأنها سنّةٌ مِن السنن، وإنما معنى ذلك أنها ثبتَتْ بِالسنّة.
ومِن المعلوم أنه إذا جاء على لسانِ صحابةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لفظُ " السنّة " لا يمكن-بِحال-أن يُحمَلَ على أنه يُراد بِه السنّة التي اصطَلَحَ الناس عليها، وإنما يُحمَلُ تارةً على الوجوب وتارةً على السنّة بِحسبِ القرائن التي تَدُلّ على ذلك، وهذا مِمّا ينبغِي أن يُنتبَه إليه، فإنّ كثيرا مِن الاصطلاحات يَختلِف الناس فيها .. يَختلِفون تارةً مِن مكانٍ إلى مكان وتارةً مِن زمانٍ إلى زمان .. هؤلاء اصطلَحوا على أنّ هذا اللفظ يُحمَل على كذا وأولئك اصطلَحوا على خلافِ ذلك، ولا يُمكِن أن نَحمِلَ هذا الاصطلاح الذي اصطلَحَتْ عليه تلك الطائفة أو كان يَجرِي على لسانِهم على ما تُعُورِفَ عليه أو اصطُلِح عليه عندَ طائفةٍ أخرى جاءتْ بعدَ ذلك أو كانتْ في بقعةٍ أخرى مِن الأرض، ولذلك أمثلةٌ كثيرة جِدا يَطول المقام بِذكرِها:
مثلا نَجِد في بعضِ الروايات: ( مَن سَجَدَ سجْدَتَيْن ) .. يَتبادَر إلى الناس في المراد بِالسجود السجود المعروف، ولكنّ المراد مِن ذلك: " صلّى ركعتيْن " .. أي إذا جاء مثلا: " سجد سجدتين ".
هكذا في كثيرٍ مِن الروايات.
وهكذا ينبغِي أن يَدرُسَ طالب العلم المصطلَحات التي اصطلَح عليها الناس أو كانتْ تُطلَقُ في زمنِهم على اختلافِ طبقاتِهم واختلافِ أزمانِهم حتى لا يَقَعَ في الخطإ الكبير.
فمثلا لفظُ " الكراهة " عندَ كثيرٍ مِن المتقدِّمِين يُطلَقُ على " التحريم "، فقد يَجِدُ طالِب العلم-مثلا-كلاما لِبعضِ أهلِ العلم قال فيه: " هذا الأمر مكروه " فيَحمِل ذلك على كراهةِ التنزيه التي اصطلَح عليها المتأخِّرون والأمْرُ بِخلافِ ذلك، فإذن لابد مِن معرفةِ ذلك.