فتاوى الشيخ سعيد القنوبي (الجزء 1)
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٨ج: إنّ الثابتَ في سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنّ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَرَجَ مِن مكّة المكرّمة في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجّة إلى مِنى وصَلَّى بِها الظهر والعصر والمغرب والعِشاء والفجر، ثم بعد ذلك ذَهَبَ إلى عرفة .. صَلَّى أوَّلاً الظهر والعصر جَمْعا بِنَمِرَة ثم ذَهَبَ إلى عَرفة، ثم خَرَجَ منها بعد غروب الشمس ودخول الليل وباتَ بِالمزدلفة، ثم بَعد أن صَلَّى الفجر ودَعَا خَرَجَ منها إلى مِنى ورَمَى جَمْرة العَقَبَة وذَبَح، ثم ذَهَبَ إلى مكّة المكرَمة وطاف بِها ولم يَسْعَ لأنه قد سَعَى مِن قبل وسَعْيُه ذلك كان كافيا له لأنه كان قَارِنا بيْن حَجِّه وعُمرته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم ذهب إلى مِنى، وجاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمِنى، وقد اختلف العلماء في هاتين الروايتين:
منهم مَن صَحَّحَ روايةَ الصلاة بِمِنى.
ومنهم مَن عَكَسَ ذلك، كما ذكرتُ ذلك في " الطوفان "(1) ، فمَن شاء ذلك فلْيَرْجِع إليه.
ويُمكِن أن تكون الروايتان صحيحتين معا ويُجمع بينهما بِأنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم صَلَّى بِأصحابه نَفْلاً وصَلّوا خلْفه فريضة ويكون الخطأ قد وَقَعَ في قول الراوي: " فريضة " وإلا فإنه قد صَلَّى في الموضعين معا إلا أنه صَلَّى بِمِنى نافلة فتكون كل واحدة مِن الروايتين صحيحة بِاستثناء كلمة: " الظهر " فإنها لا تَصح، وهذا له احتمالٌ قوي، وقد جاءت أدلّة متعدِّدة تَدلّ على مشروعية إمامةِ المتنفّل بِالمفترِض.
وفي هذا دلالةٌ واضحة أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم يَبْقَ بِمكّة في هذه الأيام بل رَجَعَ إلى مِنى مباشَرة.
(1) -الجزء الثالث من كتاب " الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان "، الطبعة الأولى ( 1420هـ-2000م )، ص337-339.