فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٩وقد استدل من اشترطه ـ سواء في هدية الوالد إلى أولاده فحسب أو على الإطلاق ـ باسترجاع أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ما أهداه ابنته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهو عشرون وسقاً من جاد النخل مما ينبته بالمدينة المنورة، ولم تقبض ذلك حتى مرِض مرض موته، فقاله لها: " وددت لو قبضته وإنما هو الآن مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك"، واعتذر إليها بأنه ما من أحد بعده أحب إليه غناه منها، وما من أحد ابغض إليه فقره منها، ولكنها بعدم قبضه فاتها، فكان لكل وارث حقه منه، وهي ـ رضي الله عنه ـ لم تترد التسليم لذلك بل ذكرت بأنه لو كان ما كان لما شرهت نفسها إليه، وأيد ذلك بما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه حذَّر الآباء الذين ينحلون أولادهم نحلاً ولا يسلمونها لهم، بل يبقى أحدهم قابضاً لنحلته حتى إذا مات الولد قال: هذا مالي ولم أنحله أحداً، وإن حضره هو الموت قال: هذا مال ولدي نحلته إياه، وبيَّن ـ رضي الله عنه ـ أنه ما لم يقبضه المنحول فهو ملك للناحل ويقع فيه الميراث، وروي مثله عن علي ـ كرم الله وجهه ـ وقال بعض أهل العلم بأنه لا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة، فهو في حكم الإجماع، ويعني به الإجماع السكوتي، وهو وإن كانت حجته ظنية إلا أنه إن لم يعارض بحجة أقوى فلا مانع من الاستدلال به.